كان النقل ذاته إرثًا إداريًا في طبيعته، إلا أنه قام على ركام الفتوحات الآشورية والبابلية للممالك الآرامية؛ كما أن الديوان الأخميني أزاح تدريجيًا الأكاديةَ المسمارية والديموطيقيةَ المصرية بوصفهما خطّين إداريّين في عموم الإمبراطورية التي خدمها.
FOUNDATIONS · 550 BCE–600 · LANGUAGE · From الآراميون → الإمبراطورية الأخمينية

الآرامية تصبح ديوان الإمبراطورية الفارسية (نحو 550–330 ق.م.)

لسانٌ شاميٌّ متوارَثٌ من الممارسة الإدارية الآشورية والبابلية أدار أوسع إمبراطورية شهدها العالم القديم حتى ذلك الحين، ثم عُمِّر بعد سقوطها ألف عام؛ في حين كانت الممالك الآرامية، التي كانت هذه لغتَها الأم، قد مُحيت قبل ذلك بقرنين من الزمن.

في أواخر القرن السادس قبل الميلاد، كان كاتبٌ آراميٌّ في سرديس على بحر إيجه يطالع رسالةً ضريبية، فيما كان كاتبٌ آخر في باختر قرب نهر السند يُودع صفيحةً جلديةً في الأرشيف، وكان الخطُّ المُتقَن واحدًا في كلتا الحالتين، كأن يدًا مدرَّبةً بعينها كتبت كلا النصين. وقد ورث الفرسُ الأخمينيون الآراميةَ عن الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية اللتين امتصّتاها قبلهم؛ وهي لسانٌ شاميٌّ صغير كان أصحابه الأوائل، أي الممالك الآرامية في شمال بلاد الشام، قد دخلوا في طور الفتح والترحيل والتفكُّك على يد الآلة الإمبراطورية الآشورية ذاتها التي حملت لغتَهم بعد ذلك إلى آفاق العالم القديم. ومنذ فتح قورش الثاني لبابل سنة 539 ق.م. حتى إحراق الإسكندر الأكبر لبرسيبوليس سنة 330 ق.م.، كان الولاة (الساتراب) من جنادل النيل إلى بكتريا يُصدرون مراسلاتهم بالآرامية الإمبراطورية. ثم سقطت الإمبراطورية، غير أن اللغةَ مضت في عيشها ثمانمئة عام أخرى، فأنجبت من ذرّيتها الخطَّ العبريَّ المربَّع، والعربيةَ، والبراهميةَ، والسريانيةَ، والخطَّ المنغوليَّ العمودي، تباعًا.

بردية أفقية طويلة مكتوبة بخطٍّ آراميٍّ متّصلٍ مكثَّف، معروضة تحت زجاج المتحف، تتدفّق كتابتها من اليمين إلى اليسار في أسطرٍ متراصّة عبر سطح البردي البنّي.
بردية آرامية تروي قصة الكاتب الحكيم أحيقار، القرن الخامس ق.م. آتية من المستعمرة العسكرية اليهودية في إلفنتين بصعيد مصر، أي من الحامية الأخمينية ذاتها التي صانت الترجمة الآرامية لنقش داريوس البيستوني. محفوظة في المتحف الجديد (Neues Museum) ببرلين.
Photograph by Osama Shukir Muhammed Amin FRCP(Glasg). Neues Museum, Berlin. CC BY-SA 4.0 via Wikimedia Commons. · CC BY-SA 4.0

الحياة الفارسية قبل أن تصبح الآرامية ديوانَ الدولة الإمبراطورية

في عام 550 ق.م.، لم تكن الهضاب الإيرانية إمبراطوريةً بعدُ، ولم تكن قد عرفت الكتابة على نطاقٍ واسع. فقد بدأت الدولة الفارسية الفتيّة مملكةً تابعةً للمملكة الميديّة؛ وكان مؤسّسها قورش الثاني قد هزم سيدَه الميديَّ أستياج في تلك السنة تقريبًا، فورث ممتلكاتٍ إقليميةً متواضعة لاتحادٍ كان يحكم غرب إيران من مدينة إكباتانا. أما النخبة الناطقة بالفارسية في پارسا، أي المقاطعة الجنوبية الغربية المحيطة بإقليم فارس الحديث، فكانت أرستقراطيةً محاربةً تربّي الخيول، وكانت لغتُها السياسية الأولى لغةً شفويةً صرفة. كانت آلهتُها مسمّاةً بالفارسية القديمة، وأنسابُها محفوظةً في الذاكرة، وأَيمانُها مختومةً بالكلام والشهود؛ ولم يكن لها خطٌّ خاصٌّ بها تُسجّل به ذاتها.

ولم يكن هذا أمرًا غريبًا على شعبٍ ناطقٍ بالإيرانية في منتصف الألفية الأولى ق.م. فالفارسية القديمة، أي لغة البلاط الملكي، لم تكتسب نظامًا للكتابة خاصًّا بها إلا في عهد داريوس الأول بعد ذلك بثلاثين سنةً تقريبًا، حين استُحدثت مقطعيةٌ مسماريةٌ عن قصد، الأرجح أنها صُنعت بأمرٍ مباشرٍ من داريوس نفسه، لتدوين البيانات الملكية على الحجر وعلى جدران القصور وعلى عددٍ يسيرٍ من الألواح الطينية في برسيبوليس.1 فقد كان الخطُّ نُصبيًّا في وظيفته لا إداريًّا في غايته. وعلى امتداد قرنين كاملين من عمر الإمبراطورية الأخمينية، لم يصل إلينا من الفارسية القديمة المسمارية أيُّ سجلٍّ ضريبي، ولا رسالةٍ ساتراپية، ولا وثيقةٍ تجارية، ولا حكمٍ قضائي، ولا قائمة جراياتٍ بيروقراطية. فالخطُّ الفارسي القديم وُضع لكي يَعرضَه الملوك على الرعية، لا لكي يستعمله الكتّاب في تصريف شؤون الدولة.

أما الذي كان لدى الفرس قبل أن يستقرَّ نظام الديوان فهو إرثٌ من الممارسة الإدارية انحدر إليهم من الأقاليم التي فتحوها واحدًا تلو الآخر. فقد كانت المملكة الميديّة التي امتصّوها تُدير شؤونَها عبر كتبةٍ وراثيّين، إلا أن الميديةَ غير موثَّقةٍ في جوهرها؛ إذ لم يصلنا منها تقريبًا أيُّ مادةٍ نصيةٍ أصلية يمكن الركون إليها. وحين استولى قورش على ليديا سنة 547 ق.م.، ورث جهازًا إداريًّا ليديًّا يكتب بالليدية، ويتزايد فيه استعمال اليونانية باطّراد. وحين أخذ بابل سنة 539 ق.م.، ورث أعمق التقاليد الكتابية وأقدمَها في الشرق الأدنى القديم على الإطلاق، أي البيروقراطية المسمارية التي ظلّت تُسجّل جرايات الحبوب وقرابين المعابد والمراسيم الملكية بالسومرية ثم بالأكادية قرابة ثلاثة آلاف سنةٍ متواصلة. وحين فتح ابنُه قمبيز مصر سنة 525 ق.م.، ورث كتبة الديموطيقية في ديوان السايتي، الذين دأبوا على تسجيل حسابات الضرائب على البردي منذ القرن السابع ق.م.

وقد ظلّت كلٌّ من هذه الأقاليم، في مستهلّ العهد الأخميني، تحتفظ بسجلّاتها بخطّها الخاص. فلم يحمل الفرسُ عقيدةً تقتضي توحيد اللغة في الإمبراطورية الناشئة، بل واجهوا إشكاليةً عمليةً صرفة لا أكثر؛ كيف يتسنّى لسلالةٍ واحدةٍ في پارسا أن ترسل تعليماتها إلى ساتراپٍ ليديٍّ في سرديس، وإلى مديرٍ بابليٍّ لمعبدٍ في سيپّار، وإلى موظفٍ مصريٍّ إقليميٍّ في ممفيس، حين لا يُجيد أيٌّ من هؤلاء الموظفين قراءةَ الفارسية القديمة، ولا يقرأ كتبةُ الملك الفارسي الليديةَ ولا المصرية؟ والجوابُ الذي لم يبتدعه الأخمينيون اختراعًا بل ورثوه قائمًا في الميدان هو الآرامية.

الحال الميديّ والوضع ما قبل الإمبراطوري

كانت المملكة الميديّة التي خلعها قورش تُدير شؤونها على نحوٍ لا تذكره المصادرُ اليونانية إلا في شذراتٍ متناثرةٍ غير مكتملة، ولا تُسجّله المصادرُ المسمارية تسجيلًا مباشرًا يُعتدّ به. غير أن السجلَّ المسماري يُلمح إلى أن الآرامية، حين بلغ قورشُ بابل سنة 539 ق.م.، كانت قد غدت بالفعل اللغةَ الإدارية الثانوية للحكومة البابلية بلا منازع؛ أي الخطَّ الذي يدير به الموظفون الإقليميون والتجار والكتبةُ، ممن لا يقرؤون المسماريةَ، شؤونَ عملهم اليومي. ومن ثَمّ، لم يجد الفرسُ بلادًا أحاديةَ اللغة في رافديها فيفرضوا عليها الآرامية فرضًا، بل وجدوا بلاد الرافدين في طور تحوُّلٍ آراميٍّ امتدّ قرنين من الزمن، فدعوا هذا التحوُّل إلى أن يستكمل ذاته من تلقاء نفسه.2

ويمكن أن يُلخَّص الواقعُ اللغوي الذي ورثه قورش في بابل سنة 539 ق.م. في أربع طبقاتٍ عاملةٍ متمايزة، لكلٍّ منها سطحٌ كتابيٌّ خاصٌّ موثَّق:

  • السومرية؛ لغةٌ ميتةٌ منذ قرابة ألفٍ وخمسمئة سنة، لم تَبقَ إلا في السياقات العلمية والطقسية، يستنسخها على الطين كتبةٌ متخصّصون لأغراض الإنشاد الشعائري وحفظ التراث الكهنوتي.
  • الأكادية (البابلية المتأخرة)؛ اللغة الإدارية المرموقة لدولة بابل الحديثة، تُكتب بالمسمارية على الطين، وقد تراجع استعمالها اليومي لكنها ظلّت مهيمنةً على أرشيفات المعابد، والنقوش الملكية، وأكثر العقود التجارية رسميةً وحجّيةً.
  • الآرامية؛ اللغة الثانية العاملة في الديوان، تُكتب بخطٍّ متّصلٍ على البردي أو الجلد، وهي اللغةُ التي كانت تُجرى بها معظمُ المراسلات البيروقراطية مع الأقاليم الغربية للدولة بحلول 539 ق.م.
  • الفارسية القديمة؛ لغة الفاتحين الجدد، شفويةٌ في طبيعتها، لا خطّ لها بعدُ يُسجّل بها.

أما النظامُ الإداري الأخميني الذي استقرّت أركانه على مدى الجيلين التاليين فلم يُزحْ التقليدَ الأكاديَّ بمرسومٍ صريح؛ بل رفع طبقةَ الآرامية من المرتبة الثانوية إلى المرتبة الأولى رفعًا هادئًا، وترك سائر الطبقات في أدوارها القائمة، فذوت الطبقةُ الأكادية ببطءٍ من تحتها، لا بقرار، بل لأن أحدًا لم يَعدْ يستوظفها أو يدفع ثمنها.

الخطُّ الذي اختاره الآشوريون من قبل

لإدراك ما ورثه الفرسُ على وجهه الكامل، يلزم العودةُ قرنين إلى الوراء. ففي أواخر القرن العاشر ومستهلّ القرن التاسع ق.م.، كانت الجماعات الآرامية في شمال بلاد الشام قد انتظمت في كوكبةٍ من الممالك الصغيرة المتجاورة؛ منها آرام دمشق تحت سلالتَي حدد عزر وحزائيل، وبيت عديني في تل برسيپ على الفرات الأعلى، وبيت بَحياني في غوزانا (أي تل حلف اليوم)، وحماة على نهر العاصي، وسَمأَل في جنوب شرق الأناضول. وكانت هذه الجماعات تتحدّث آراميةً بلغت، من حيث البنية اللغوية، طورَ النضج بوصفها لغةً ساميةً غربيةً ناضجةً متكاملة؛ وكانت تكتبها بأبجديةٍ صامتةٍ من اثنين وعشرين حرفًا، مقتبسةٍ من الخط الفينيقي الذي تشاطرت معه أصلًا واحدًا في أبجديات بلاد الشام البدائية في أواخر العصر البرونزي.3

غير أن الممالك الآرامية لم تنجُ من احتكاكها بالإمبراطورية الآشورية الحديثة. فمنذ عهد آشور ناصربال الثاني (883–859 ق.م.) فصاعدًا، باتت الجيوش الآشورية تسير غربًا في حملاتٍ سنوية. وتروي حوليات تغلث فلاسر الثالث الملكية (744–727 ق.م.) كيفية الابتلاع المنهجي للممالك الآرامية واحدةً تلو الأخرى؛ فقد سقطت دمشق سنة 732 ق.م.، وأُعدم ملكها رصين، وهُجِّر سكانها قسرًا؛ وسقطت حماة سنة 720 ق.م. على يد سرجون الثاني؛ وأُهبطت سَمأَل إلى رتبة المقاطعة التابعة. وقد طبّقت الإمبراطورية الآشورية سياسةَ التهجير الجماعي على نطاقٍ واسعٍ في عموم هذه الفتوحات، فهجّرت ما يتراوح بين أربعمئة ألفٍ وخمسمئة ألف نسمة من بلاد الشام إلى آشور وبابل بين سنتَي 745 و627 ق.م.، وهو ما يُعدّ أكبر نقلٍ سكانيٍّ متواصلٍ في الشرق الأدنى القديم المُسجَّل تاريخيًّا قبل عمليات الترحيل البابلية ليهود يهوذا.4

نقشٌ حجريٌّ طويلٌ منحوتٌ في جدار درج، تظهر فيه صفوفٌ من الأشخاص جانبيًّا وهم يحملون آنيةً وحيواناتٍ وحُزَمًا نحو ملكٍ جالسٍ في الطرف الأيمن. النحت دقيق وحاد، ويرتدي كل حامل جزية لباس إقليمه.
نقوش حاملي الجزية على الدرَج الشرقي لقاعة الأبادانا في برسيبوليس، نحو 515–490 ق.م. تُظهر النقوشُ وفودًا من شعوب الإمبراطورية الثلاثة والعشرين الخاضعة، من ميديّين، وعيلاميّين، وبابليّين، وليديّين، ومصريّين، وبكتريّين، وهنود، يحملون الجزية إلى الملك العظيم. والديوانُ الذي سجّل تلك الجزى كان يشتغل، في معظمه، بالآرامية.
Photograph by Darafsh Kaviyani. Apadana, Persepolis. CC BY-SA 3.0 via Wikimedia Commons. · CC BY-SA 3.0

بيد أن الآشوريّين الذين نفّذوا هذه الفتوحات وجدوا أنفسهم، نتيجةً لذلك، يُديرون شامًا أصبح سكانُها يتكلّمون الآرامية، ورافدَين تجري إعادةُ توطين سكانهما تدريجيًّا بمُرحَّلين ناطقين بالآرامية. فالآراميون المُرحَّلون الذين أُعيد توطينهم في بلاد الرافدين كانوا يتكلّمون الآرامية في قراهم الجديدة، ويتعاملون بها في أسواقهم اليومية. والشبكاتُ التجارية في الأقاليم الغربية كانت تشتغل بالآرامية أصلًا. وبحلول القرن الثامن ق.م.، كان على الحاكم الإقليمي الآشوري في الغرب أن يتعامل مع الآرامية في كل مفصلٍ من مفاصل يومه الإداري. وتُظهر النقوش الملكية في قصر سرجون الثاني بدور شاركّين، وفي قصر آشور بانيپال في نينوى، كاتبين يعملان جنبًا إلى جنب؛ أحدهما يكتب على لوحٍ طينيٍّ بالمسمارية، والآخر يكتب على البردي أو الجلد بالآرامية، في مشهدٍ يُلخّص ازدواجَ النظام كلَّه.5 فالدولة الآشورية، في الواقع، لم تختر الآراميةَ اختيارًا واعيًا، بل امتصّت من الناطقين بها، عبر سياستها التهجيرية ذاتها، عددًا اضطرّها إلى استعمال هذه اللغة لتُسيّر شؤونها على نحوٍ يومي.

وفي أواخر القرن السابع ق.م.، حين انهارت الإمبراطورية الآشورية الحديثة تحت ضغطَي البابليين والميديّين معًا، كانت الآرامية قد أصبحت بالفعل اللغةَ الإدارية الثانية فعليًّا في النظام الإمبراطوري. واستمرّت إمبراطورية بابل التي خلفت آشور في الممارسة ذاتها دون انقطاع. ومن ثَمّ، فحين أخذ قورش بابل سنة 539 ق.م.، لم يرث التقليدَ المسماري وحده، بل ورث معه الديوانَ الآرامي الموازي الذي اشتغل إلى جانبه قرنين من الزمان. ولم يكن على الفرس، في حقيقة الأمر، أن يصمّموا لغةً إدارية من العدم؛ بل كان عليهم فقط أن يُداوموا على استعمال اللغة التي وجدوها قائمةً تعمل أمامهم.

كيف صُنعت الآرامية الإمبراطورية

سكّ العالمُ الألماني يوزف ماركفارت سنة 1927 مصطلح Reichsaramäisch، أي «الآرامية الإمبراطورية»، ليصف ما فعله الديوان الأخميني باللغة الموروثة بين يديه.6 فتحت داريوس الأول (522–486 ق.م.) وخلفائه من بعده، تثبّتت صيغةُ الآرامية المستخدمة في المراسلات الإمبراطورية في صورة معيارٍ موحَّدٍ بدرجةٍ مدهشة من الانضباط. فبرديَّةٌ من إلفنتين في جنوب مصر ووثيقةٌ جلديةٌ من بكتريا، تفصل بينهما أكثر من خمسة آلاف كيلومتر، تتشاركان الإملاءَ ذاته، والصيغَ القانونية ذاتها، والأعراف الديوانية ذاتها بتطابقٍ يكاد يكون تامًّا. وقد كانت المعاييرُ الإملائية والنحوية أكثر إحكامًا، في الواقع، من أيّ شيءٍ صانته الممالكُ الآرامية ذاتها يومًا في عصرها الذهبي. فالآرامية الإمبراطورية، بصياغة هولْغر غْزِلّا، «صنفٌ كتابيٌّ موحَّد استُعمل عبر امتدادٍ جغرافيٍّ وزمنيٍّ هائل، بتنوّعٍ إقليميٍّ ضئيلٍ بشكلٍ لافت»، وهي أوّلُ محاولةٍ متواصلةٍ في تاريخ البشرية لتثبيت لسانٍ كتابيٍّ واحدٍ على رقعةٍ بحجم إمبراطورية كاملة.7

أما الآليةُ التي حقّقت هذا التوحيد فهي الديوان نفسه، لا أيُّ مؤسّسةٍ أعلى منه. فبحسب النموذج الذي اقترحه هانس هاينريش شِيدر وصقّلته مارغريتا فولْمر بعده، كانت الأوامرُ الإمبراطورية تُصاغ عادةً بالإيرانية القديمة على يد كتبةٍ فرس، ثم يترجمها إلى الآرامية موظّفون في الديوان يُجيدون اللغتين معًا، ثم تُرسَل بالآرامية إلى الساتراب، فيكلِّف الأخيرُ من يترجمها محليًّا إلى أيّ لغةٍ يستعملها المتلقّون في إقليمه؛ كالديموطيقية المصرية، أو المسمارية الأكادية، أو اليونانية، أو الليدية. والنسخةُ الآرامية كانت هي النصَّ المعتمَد قانونًا، وما يُذيَّل بها بسواها من اللغات إنما هو فرعٌ مشتقٌّ منها لا أصلٌ في ذاته.8 ويظهر هذا النمطُ بوضوحٍ في أرشيف برسيبوليس الحصني، وفي رسائل الساتراب الفارسي أَرشام الإلفنتينية، وفي وثائق بكتريا الجلدية؛ وهي ثلاث مدوَّناتٍ يفصل بين مواقعها آلافُ الكيلومترات، لكنها تشتغل وفق قالبٍ ديوانيٍّ واحدٍ لا يتغيّر.

ففي برسيبوليس، يبلغ عدد الألواح الإدارية المُكتشَفة في تحصينات قصر داريوس نحو عشرين إلى خمسةٍ وعشرين ألف لوحٍ طيني. ومعظمها بالعيلامية المسمارية؛ وقرابة الألف منها بالآرامية على الألواح أو البردي أو الجلد؛ وعددٌ يسيرٌ منها ثنائي اللغة، يحمل ذيولًا بالآرامية تُعرّف بأسماء الكتبة وتواريخ عملهم.9 ويرصد هذا الأرشيف الحصنيّ البيروقراطيةَ الأخمينية في عملها اليومي بين عامَي 509 و493 ق.م. تقريبًا، أي في لحظة المعيار الديواني المكتمل والمستقرّ. وقد بيّن فاوتر هنكلمان وزملاؤه، بالاعتماد على ذيول الكتبة في الأرشيف، أن الأشخاص أنفسهم اشتغلوا في اللغتين معًا، وأن الفرعين الآرامي والعيلامي للأرشيف لم يكونا، في أعلى مستويات إدارة برسيبوليس، نظامين متوازيين منفصلين، بل وجهين لنظامٍ واحدٍ يتشاركان الموظفين أنفسهم.

بردية بيستون

أوضحُ الشواهد الناجية على كيفية اشتغال الآرامية الإمبراطورية في عموم أصقاع الإمبراطورية هو الترجمةُ الآرامية لنقش بيستون الشهير. فقد نقش داريوس الأول روايتَه عن صعوده إلى السلطة على واجهة جبلٍ في بيستون بغرب إيران سنة 519 ق.م. تقريبًا. والنقشُ النُّصبيّ ثلاثيُّ اللغة في تركيبه؛ بالفارسية القديمة، والعيلامية، والأكادية البابلية، كلُّها بالمسمارية. ووفق الفقرة 70 من النقش ذاته، فقد أمر داريوس بأن تُرسل روايتُه «إلى البلدان كافة» في صورة نسخٍ منقولة. وقد عُثر على إحدى هذه النسخ، بالآرامية على البردي، في إلفنتين بمصر مطلع القرن العشرين، وهي البردية المعروفة ببرلين 13447 أو «بردية بيستون»، النسخةُ الآرامية الوحيدة الناجية لنقشٍ ملكيٍّ أخميني على الإطلاق.10 وقد كُتبت هذه النسخة نحو سنة 420 ق.م.، أي بعد قرنٍ تقريبًا من النقش الأصلي لداريوس؛ ما يعني، فضلًا عن ذلك، أن الديوان أبقى النصَّ متداولًا بالآرامية، عبر كامل المدى الجغرافي للإمبراطورية، طوال تلك الحقبة الممتدّة. والبردية هي القطعةُ الأكثر مباشرةً من بين الأدلة التي بين أيدينا على أن الآرامية كانت اللغةَ التي روت بها الإمبراطورية الأخمينية حكايتَها عن نفسها لمواطنيها.

كيف بدت الآرامية في الميدان

يُوثَّق مدى الانتشار الجغرافي للآرامية الإمبراطورية على أحسن وجهٍ ممكن في ثلاث مدوّناتٍ متمايزة.

أولًا، برديات إلفنتين؛ وهي مجموعةٌ من بضع مئاتٍ من البرديات والأوستراكا الآرامية، اكتُشفت في جزيرة الفيل (إلفنتين) بنهر النيل قرب أسوان بين 1893 و1910. والنصوصُ كلُّها آتيةٌ من مستعمرة عسكريةٍ يهودية كانت مرابطةً هناك ضمن الحامية الفارسية لمصر. وتشمل عقود الزواج، ووثائق الطلاق، ومبيعات الأملاك، وإيصالات القروض، ومراسلات المعبد، ورسائل الساتراب أَرشام، وبردية بيستون نفسها. ونشر المجموعاتِ الرئيسة آرثر كاولي في أوكسفورد سنة 1923، وقد ضمّ سبعًا وثمانين بردية في كتابه Aramaic Papyri of the Fifth Century B.C.؛ كما نشر إميل كرايلنغ، نيابةً عن متحف بروكلين، أرشيفَ ويلبور سنة 1953 (وهو الأرشيف العائلي لمسؤول المعبد عَنانيا بن عَزَريا، يغطّي 451–402 ق.م.)؛ ثم صدر Textbook of Aramaic Documents from Ancient Egypt في عدّة مجلّدات، من إعداد بِزَلال پورتن وعَدا ياردِني بين 1986 و1999.11

ثانيًا، الوثائق البكترية الجلدية؛ وهي مجموعةٌ من ثلاثين صفيحةً جلدية وثمانية عشر عصا تعدادٍ خشبية، اقتنتها مؤسسةُ خَليلي العائلية ونشرها يوسف نافيه وشاؤول شاكِد سنة 2012، وهي مهمّةٌ لم يَكتب لها البروفيسور نافيه أن يراها مطبوعةً قبل وفاته. وتعود الوثائق إلى الفترة بين 353 و324 ق.م.، أي من العهد الأخميني المتأخر إلى فتح الإسكندر الأكبر؛ وتعكس اشتغال الديوان الآرامي في الإقليم الشرقي الأقصى للإمبراطورية في عقوده الأخيرة. وتتضمّن أوامر صادرةً عن الساتراب بِسّوس، وطلبات تموين، وقوائم للعاملين في حاميات قرب الحدود الأفغانية الأوزبكية الراهنة.12 وتظهر فيها الصيغُ الديوانية ذاتها التي تظهر في إلفنتين على أقصى الحدود الغربية للإمبراطورية، ما يؤكّد، بصورةٍ قاطعة، أن الآرامية الإمبراطورية كانت بالفعل لغةَ عملٍ واحدةً تجري على نحوٍ متماثلٍ على امتداد خمسة آلاف كيلومتر تقريبًا من الأرض الإمبراطورية.

ثالثًا، اكتشافاتٌ متناثرة من الأناضول، وبلاد الشام، وبلاد الرافدين على حدٍّ سواء؛ تتراوح من أوستراكا حامياتٍ أدوميةٍ في جنوب فلسطين، إلى نقوش العملات في دور سكّ الساتراب في كيليكيا وكاريا، إلى تذييلاتٍ على ألواحٍ مسماريةٍ في بابل تُسجّل المحتوى بالآرامية لمسؤولين لا يقرؤون المسمارية، إلى انطباعات الأختام الممتدّة من سرديس إلى سوسة.13 وأينما امتدّت الإدارة الأخمينية بسلطتها، امتدّ معها الديوان الآرامي بأقلامه وكتبته.

رسائل أَرشام

وتأتي نافذةٌ شديدةُ الحميمية على اشتغال الديوان من الأرشيف الصغير الذي ضمّ رسائل الساتراب الفارسي لمصر أَرشام، المكتوبةَ بالآرامية على الجلد نحو سنة 410 ق.م.، والمحفوظةَ اليوم في مكتبة بودلي بأكسفورد. وقد أُرسلت هذه الرسائل من الساتراب، بينما كان مسافرًا بين ضياعه في بابل وسوسة، إلى نوّابه ووكلائه في مصر، تتناول شؤونًا عمليةً في إدارة الضياع؛ كختم المخازن، وتوزيع العبيد على مهامّ بعينها، ومعاقبة وكيلٍ هاربٍ، وإصدار أوامر التموين الدورية. وقد كُتبت الرسائل بالآرامية الإمبراطورية ذاتها التي تجري في مدوّنتَي إلفنتين وبكتريا، وتُظهر أن الديوان لم يُستعمل في المراسلات الرسمية للدولة وحدها، بل في الإدارة الخاصة لضياع كبار النبلاء الفرس أيضًا. فالمعيار ذاته، والصيغ ذاتها، والتدريب الكتابي ذاته، يُطبَّق على كل مستوى من المستويات، من البيان الملكي إلى مذكّرة المالك الغائب عن أرضه.8

قطعةٌ من بردي داكنٍ مكتوبةٍ بكثافةٍ بالخط الآرامي المتّصل، تظهر عليها طيّاتٌ أفقيةٌ عبر السطح. يجري النصُّ في أسطرٍ منتظمةٍ من اليمين إلى اليسار، مع توقيعات الشهود في أسفل الصفحة.
عقدُ بيع منزلٍ بالآرامية على البردي، مؤرَّخ في 12 ديسمبر 402 ق.م.، من الأرشيف العائلي لمسؤول المعبد عَنانيا بن عَزَريا في إلفنتين. تسجّل الوثيقةُ بيع منزلٍ في الحي اليهودي بصيغ الديوان الأخميني المعتمَدة لنقل الملكية. محفوظة في متحف بروكلين، مجموعة ويلبور.
Brooklyn Museum, Charles Edwin Wilbour Fund, 47.218.94. Aramaic House Sale, Elephantine, 402 BCE. No known copyright restrictions; image via Wikimedia Commons. · No known copyright restrictions

ما الذي حلّت محلّه الآرامية

لم يخترع الديوان الأخميني الآرامية اختراعًا، إلا أن استعمالَه الإمبراطوري لها أزاح، ببطءٍ وعلى نحوٍ غير منتظم في وتيرته، الخطوطَ الإدارية التي كانت سائدةً قبلًا في الأقاليم التي حكمها الفرس.

تراجع الأكادية المسمارية

في بلاد الرافدين، كانت الأكادية المسمارية هي الخطَّ الإداري الرئيس قرابة ألفي سنة متواصلة. ومع حلول العهد الأخميني المتأخّر، كانت في حالة انكماشٍ مستمرّ. فالنصوصُ المسمارية البابلية المتأخرة، الواردة من القرنين الخامس والرابع ق.م.، فلكيةٌ وطقسيةٌ وعلميةٌ في معظمها؛ أما الأعمالُ الإدارية اليومية للساتراپية فقد انتقلت إلى أسطحٍ غير معمّرة، أي البردي والجلد، وبالآرامية حصرًا. وغدا اللوحُ الطيني محجوزًا للتقليد العتيق. وآخر لوحٍ مسماريٍّ معلوم يمكن تأريخه هو نصٌّ فلكيٌّ من بابل يعود إلى سنة 75 م.، غير أن عالَمه كان قد استحال إلى عالمٍ متحفيٍّ بكلّ المعنى. أما الخطُّ الحيُّ لإدارة بلاد الرافدين فقد كان الآرامية، وظلّ كذلك منذ العهد الأخميني فصاعدًا.14

أما التقليدُ المسماريُّ العلمي الذي امتدّ إلى مستهلّ العصر الميلادي فقد انحصر في طاقمٍ ضيّقٍ من المؤلَّفات؛ كالجداول القمرية، وقوائم الفأل، والترانيم الملكية. أما سجلّاتُ الجرايات، وأرشيفات العقود، والمراسلات الإقليمية التي شكّلت معظم حجم الإنتاج المسماري طوال ألفيتين، فلم تنجُ من القرون الأخمينية. فقد هاجرت، وثيقةً وثيقة، إلى سطحٍ أبجديٍّ لم يَعُد يستلزم طينًا ولا قلمًا حادًّا، ولا سنواتٍ من التلمذة المتخصّصة.

حصرُ الديموطيقية

أما في مصر فقد كان الإحلال جزئيًّا لا كليًّا في امتداده. فالديموطيقيةُ، أي الخطُّ المتّصل الذي اعتُمد في الإدارة المصرية الأهلية منذ القرن السابع ق.م.، قد استمرّت في عهد الفرس للشؤون المحلية؛ كأعمال المعابد، والضرائب الداخلية المصرية، والعقود الخاصة في القرى المصرية بين الأهالي. غير أن المراسلات بين ممفيس والمركز الإمبراطوري، والشؤون التي يلتقي فيها الفرس والمصريون معًا على طاولة واحدة، باتت تجري بالآرامية بوصفها لغةَ العمل المشتركة. وأرشيفُ إلفنتين، الذي كتبه بالآرامية مجتمعٌ استيطانيٌّ غيرُ مصري لم يكن أمامه من خيارٍ عمليٍّ سواها، هو أكملُ أرشيفٍ وثائقيٍّ أخمينيٍّ نجا لنا من أيّ إقليمٍ في الإمبراطورية على الإطلاق.

الفينيقية على الساحل الشرقي

أما خطوطُ الفينيقية الشرقية في صور وصيدا وجبيل/بيبلوس، التي كانت قد ضعفت بفعل الفتوحات الآشورية والبابلية في القرنين السابع والسادس ق.م.، فقد ازدادت انكماشًا في عهد الأخمينيّين. فقد زوّدت المدنُ الفينيقية الأساطيلَ الفارسية وازدهرت تجاريًّا في ظلّ الحماية الإمبراطورية، إلا أن مراسلاتها الإدارية مع سلطات الساتراب جرت بالآرامية لا بالفينيقية. أما الفرعُ الغربي للخط الفينيقي، أي البونيقيُّ في قرطاج وغرب المتوسط، فقد نجا لأن قرطاج كانت خارج المدار الأخميني تمامًا. وأما الفينيقيةُ الشرقية فقد ابتلعها النظامُ الآرامي خلال جيلين متعاقبين.

ما قدّمته الآرامية ولم تقدّمه الأنظمةُ المُزاحة

لم تكن الميزةُ التي قدّمتها الآرامية الإمبراطورية كامنةً في خاصيةٍ من خصائص الآرامية بوصفها لغةً في ذاتها، بل في الأبجدية التي حملتها معها. فالمسماريةُ تستلزم سنواتٍ من التدريب الشاق وإمكانيةَ الوصول إلى الطين؛ والديموطيقيةُ تستلزم تلمذةً كتابيةً متخصّصةً طويلة؛ والفارسيةُ القديمة المسمارية كانت نُصبيّةً في وظيفتها. أما أبجديةُ الآرامية، ذات الاثنين والعشرين حرفًا، الموروثةُ من النظام الفينيقي الذي اقترضه اليونانيون في اللحظة ذاتها تقريبًا، فيمكن لشخصٍ بالغٍ متعلّمٍ بلسانٍ آخر أن يتعلّمها في غضون أشهرٍ معدودة. وكان بإمكان ساتراپٍ في بكتريا أن يستخدم كتبةً آراميّين دُرّبوا في سوسة أو بابل، فيُديرون مراسلاتِه مع برسيبوليس بعد فصلٍ واحدٍ من التأقلم لا أكثر. ولم يكن الأمرُ كذلك في أيٍّ من الأنظمة التي أزاحتها الآرامية تدريجيًّا.

تلك هي العبقريةُ العملية للترتيب الأخميني؛ إمبراطوريةٌ تجري على خطٍّ يستطيع الإداريون اكتسابه في سنّ الرشد. فالثنائيةُ اللغوية بين، فلنقل، نبيلٍ ناطقٍ بالفارسية القديمة وكاتبٍ مدرَّبٍ على المسمارية الأكادية، تستلزم سنواتٍ من التداخل والتمرّس؛ في حين أن الثنائيةَ اللغوية بين النبيل ذاته وكاتبٍ آراميٍّ تستلزم فصلًا واحدًا في أقصى الأحوال. ولم يكن على الديوان، نتيجةً لذلك، أن يستنبت كتبتَه من نعومة أظفارهم، وهو ما يعني أنه استطاع أن ينقل المسؤولين عبر الإمبراطورية دون أن يخسرهم في كلفة إعادة التدريب من جديد. وهذا هو الضربُ الخفيُّ الكاسحُ من المزايا البيروقراطية الذي لا يبدو في أيّ لوحٍ بمفرده، لكنّه يفسّر، في نهاية المطاف، كيف أمكن أن تُدار إمبراطوريةٌ امتدادها خمسة آلاف كيلومتر بجهازِ دولةٍ متواضع الحجم بمقاييس بلاد الرافدين القديمة.

ما الذي بقي بعد سقوط الإمبراطورية

في سنة 330 ق.م. أسقط الإسكندر الأكبر الدولةَ الأخمينية إسقاطًا مدوّيًا. فقد اغتال ساتراپتُه دارا الثالث على أيدي رجاله؛ وأُحرقت برسيبوليس؛ وتفكّك الجهازُ الإداري الأخميني كلُّه خلال جيلِ آخر كتبة الديوان العاملين. وأصبحت اليونانيةُ، لغةُ ضباط الإسكندر، هي اللغةَ النخبوية الإمبراطورية الجديدة لممالك الخلافة الهلنستية؛ أي السلوقية في آسيا، والبطلمية في مصر، والأنطيغونية في مقدونيا. وزالت الآراميةُ الإدارية المركزية، بمعناها الديواني الصارم، خلال عقودٍ قليلةٍ من الفتح المقدوني. واستُبدلت بنقوش العملات الآرامية نقوشٌ يونانيةٌ في عهد الديادوخوي؛ وانتقلت المراسلاتُ الساتراپية إلى اليونانية؛ ولم تَعُد شبكةُ ديوان برسيبوليس وسوسة وباختر قائمةً لتُحافظ على المعيار وتفرضه على البعيدين.

غير أن الآرامية بوصفها لغةً لم تختفِ بزوال الدولة. بل مضت في عيشها ألف سنةٍ أخرى، في ثلاثة أنماطٍ متّصلة.

الآرامية لغةَ حياةٍ يومية

في عموم الرقعة التي حكمها الأخمينيّون يومًا، ظلّ التجارُ والمزارعون وصغار الموظفين والمجتمعات الريفية يتحدّثون الآرامية في حياتهم اليومية. أما اليونانيةُ فكانت لغة الفاتحين الجدد ولغة المؤسّسات النخبوية التي بنوها على أنقاض النظام السابق؛ في حين ظلّت الآرامية اللغةَ التي يعود الناس بها إلى بيوتهم في نهاية النهار. وقد تنوّعت لهجاتُ الآرامية في الحقبة الهلنستية على رقعة الإمبراطورية القديمة؛ فظهرت الآرامية التدمرية على هامش البادية السورية، والآرامية النبطية في التخوم العربية الشامية، والآرامية الحطْريّة في أعالي بلاد الرافدين، ولهجات الآرامية اليهودية في يهوذا. والآراميةُ التي تكلّم بها يسوع في الجليل في القرن الميلادي الأول إنما هي سليلةٌ، على بُعد ستة قرون، للآرامية الإمبراطورية التي قنّنها الديوان الفارسي قبل ذلك بزمنٍ بعيد.15

الآرامية لغةً مقدّسة وأدبية

حين ألَّف الناسُ نصوصًا مقدّسةً بالآرامية في القرون التالية للإسكندر، كتبوها بلهجاتٍ مشتقّةٍ مباشرةً من المعيار الإمبراطوري. فأقسامٌ كبيرة من العهد القديم العبري، ولا سيّما سفرَا دانيال وعزرا، إلى جانب فقراتٍ أقصر في إرميا والتكوين، تحفظ آراميةً تستوحي أعرافَ الديوان في العهد الأخميني استيحاءً مباشرًا؛ وآراميةُ سفر عزرا، على وجه الخصوص، أقربُ في مواضع منها إلى وثيقةٍ إمبراطوريةٍ من القرن الخامس ق.م. منها إلى أيّ نصٍّ في الأدب الحاخامي اللاحق لها. ويتضمّن سفرُ دانيال في سرديّته مراسلاتٍ ملكيةً مزعومةً بالآرامية؛ وهو صدى أدبيٌّ للقالب الديواني الذي استعملته البيروقراطيةُ الأخمينية الفعلية في عملها اليومي.16

أما التلمودُ البابلي، الذي اكتمل في القرن السابع الميلادي، فمكتوبٌ في معظمه بالآرامية البابلية اليهودية؛ وهي لهجةٌ آراميةٌ متوسّطةٌ من جنوب بلاد الرافدين، تنحدر من الفرع الشرقي للديوان الأخميني عبر سلسلةٍ من الأطوار اللغوية المتعاقبة. وأما السريانية، أي الصيغة الأدبية للآرامية المتكلَّمة في الرها/إديسا في أعالي بلاد الرافدين، فقد غدت اللغةَ الليتورجية المسيحية الرئيسة للشرق الأوسط منذ القرن الثالث الميلادي فصاعدًا؛ وهي لغة ترانيم القديس أفرام السرياني، وأعمال برديصان الفلسفية، وترجمة الپشيطّا للعهدين القديم والجديد. كما يَنقل التقليدُ الديني المندائي في جنوب العراق، الذي ما زال حيًّا في مجتمعاتٍ صغيرة إلى اليوم على الرغم من المحن، نصوصَه المقدّسة بلهجةٍ آراميةٍ جنوبيةٍ شرقيةٍ منحدرةٍ من الجذر الإمبراطوري ذاته.

الآرامية أمًّا للخطوط

غدت الأبجديةُ الآرامية، باثنين وعشرين حرفًا صامتًا في صورها المتّصلة التي قنّنها الديوان الأخميني، أمًّا لعددٍ من نُظم الكتابة لعلّه يفوق ما لأيّ تقليدٍ كتابيٍّ آخر في تاريخ البشرية المسجَّل. ويمكن إيجاز خطوط الانحدار في تسلسلها على النحو التالي:

  • الخطُّ العبريُّ المربَّع (المستعمَل اليوم للعبرية واليديشية معًا) ينحدر مباشرةً من الآرامية الإمبراطورية الأخمينية عبر الممارسة الكتابية اليهودية؛ فالخطُّ العبريُّ القديم الذي استُعمل في حقبة الهيكل الأول هُجر لمصلحة الخط الآرامي المربَّع في حقبة الهيكل الثاني هجرًا تامًّا.
  • الخطُّ العربي ينحدر من الآرامية عبر النبطيّ المتّصل، أي خطّ المملكة النبطية الناطقةِ بالآرامية والمتّخذةِ من البتراء عاصمةً لها، الذي كُيِّف بدوره للعربية الباكرة بحلول القرن السابع الميلادي على أيدي كتبة الجزيرة.
  • السريانية، بصورها الإسطرنجيلية والسرتية والمدنحاية الثلاث، صارت نظامَ الكتابة الليتورجي المسيحي الرئيس للشرق الأوسط منذ القرن الثالث الميلادي فصاعدًا.
  • البراهمية في الهند القديمة، التي تنحدر منها كلُّ خطوط شبه القارة الهندية بلا استثناء، الأرجح أنها كُيِّفت من نموذجٍ آراميٍّ حملته الإدارةُ الأخمينية إلى التخوم الشرقية للإمبراطورية في موكب التجار والكتبة.
  • السغدية في آسيا الوسطى، المشتقّة من السريانية في صدر العصر الميلادي، صارت بدورها أمًّا للأويغورية القديمة، ثم المنغولية، ثم المنشورية تباعًا.

أما علاقة الخطّ العبري المربَّع بسلفه الأخميني فهي أوضحُ هذه السلاسل وأكثرها مباشرةً ووضوحًا. فقد استعملت المجتمعاتُ اليهودية في بابل ومصر ويهوذا الآراميةَ الإمبراطورية في إدارتها اليومية طوال العهد الفارسي بأكمله؛ بل إن أرشيف إلفنتين هو في ذاته الجوهرُ الوثائقي لهذه الممارسة. وبحلول حقبة الهيكل الثاني، كانت الأشكالُ الحرفية الآرامية قد كُيِّفت في الخط العبري المربَّع الذي يظهر في مخطوطات قمران (من القرن الثالث ق.م. إلى القرن الأول الميلادي)، وتواصل وجوده دون انقطاع ليكون الخطَّ المستعمَل اليوم في طبعات العهد القديم العبرية وفي اللافتات الإسرائيلية الحديثة على حدٍّ سواء. والمسارُ من عقد بيعِ منزلٍ بالآرامية في إلفنتين في القرن الخامس ق.م. إلى عنوانٍ صحفيٍّ في تل أبيب في القرن الحادي والعشرين مسارٌ متواصلٌ بلا انقطاعٍ يُذكر.

أما البراهميةُ في الهند القديمة، التي تنحدر منها كلُّ خطوط شبه القارة الهندية، من ديڤاناغاري وتاميلية وبنغالية وتيلوغو وكنّادا وسنهالية، وكذلك التبتية وخطوطُ المعرفة البوذية في جنوب شرق آسيا، فالأرجح أنها كُيِّفت من نموذجٍ آراميٍّ بلغ التخومَ الشرقية للإمبراطورية الأخمينية. والوثائقُ البكترية الجلدية هي الدليلُ الناجي على كيفية بلوغ الآرامية تلك التخوم؛ كما أن نقوش أشوكا البراهمية الباكرة في القرن الثالث ق.م. تُظهر، في صور حروفها وفي قرينتها الخروشتية المكتوبة من اليمين إلى اليسار، السلفَ الآراميَّ الذي حملته الإدارةُ الأخمينية عبر ممرّ خيبر.17

أما الخطُّ السغدي في آسيا الوسطى، المشتقُّ من السريانية في صدر العصر الميلادي، فقد غدا بدوره أمًّا للأويغورية القديمة. وقد اعتمد المغولُ الأويغوريةَ القديمة في عهد جنكيز خان مطلع القرن الثالث عشر الميلادي؛ والخطُّ المنغولي العمودي المستعمَل اليوم في منغوليا الداخلية سليلٌ مباشرٌ لها. كما كُيِّف الخطُّ المنشوريُّ، الذي وُضع في مستهلّ القرن السابع عشر لكتابة لغة المنشو مؤسّسي إمبراطورية تشينغ، من الخط المنغولي بدوره. ويحمل كلٌّ من هذه الأنظمة، في أشكال حروفه وفي اتجاه كتابته، آثارَ الخطّ الديواني الآرامي ذاته الذي استعمله الساتراپتُ الفرس قبل خمسةٍ وعشرين قرنًا.

والخطُّ الذي يصل من الأبجدية الآرامية، عبر الخط العبري المربَّع، والأبجدية العربية، والخطوط البراهمية المتفرّعة في الهند وجنوب شرق آسيا، إلى الخطوط المنغولية المنشورية العمودية في آسيا الوسطى، يغطّي معظم الرقعة المتعلّمة من أوراسيا خارج النطاقين اللاتيني والكيريلي. والابتكار الإداري للديوان الأخميني، أي أخذ لسانٍ شاميٍّ صغير وتحويله إلى لغة عملٍ إمبراطورية موحَّدة، قد عُمِّر بعد لحظته الإمبراطورية بهامشٍ لا يدانيه فيه أيُّ ابتكارٍ إداريٍّ آخر في العالم القديم على الإطلاق.

ماذا كانت الكلفة الحقيقية

كان نقلُ الآرامية إلى الديوان الأخميني، في الفعل النقلي ذاته إذا اقتُصر النظر عليه، نقلًا سلميًّا في جوهره. فلم يَغزُ الفرسُ الأرضَ الآرامية لاكتساب اللغة؛ بل كانت الممالك الآرامية قد زالت قبل قرنين كاملين من اللحظة التي أخذ فيها قورش بابل. والفتحُ، في حقيقة الأمر، كان فعلَ الآشوريين والبابليين، لا الفرس. أما الفرس فلم يفعلوا أكثر من أن داوموا على ممارسةٍ إداريةٍ موروثة وأخضعوها للمعيار الموحَّد. ولا توجد ثورةٌ آراميةٌ، ولا مجزرةُ كتبة، ولا فعلٌ من أفعال الاستيلاء اللغوي يظهر في اللحظة التي تثبّتت فيها الآرامية الإمبراطورية حول 519 ق.م.

غير أن النقلَ قام على ركام الفتوحات السابقة، وكان الديوانُ أداةً لمزيدٍ من عمليات الاستخراج اللاحقة، وعلى دفتر الحساب أن يضمّ الطبقتين كلتيهما لا واحدةً منهما.

الممالك الآرامية

أما الآراميون الذين انتهت لغتُهم إلى أن تُسيّر شؤون ثلاث إمبراطوريات متعاقبة، فلم ينجوا من المسير. فقد سقطت آرام دمشق على يد تغلث فلاسر الثالث سنة 732 ق.م.؛ وأُعدم الملكُ رصين، وذُبح بلاطُه، ودُمّرت المدينة، وضُمّت أراضيها مقاطعةً آشوريةً تابعة. وأُهبطت سَمأَل في الأناضول إلى مرتبة المقاطعة في عهد سرجون الثاني في أواخر القرن الثامن. أما بيت بَحياني في تل حلف فقد كانت قد غدت مقاطعةً آشوريةً منذ أواخر القرن التاسع ق.م. وقد نقل نظامُ التهجير الآشوري، أي galut بالآرامية ذاتها التي استعملها المُهجَّرون أنفسهم لوصف محنتهم، مئات الآلاف من بلاد الشام إلى بلاد الرافدين بين 745 و627 ق.م. والرقمُ صعبُ التحديد بدقّةٍ علمية، إلا أن النطاق التراكمي عبر مدّة الإمبراطورية الآشورية الحديثة، محسوبًا من الحوليّات الملكية والسجلّات الإقليمية، يُقدَّر بأربعمئة ألفٍ إلى خمسمئة ألف فرد جرى ترحيلهم قسرًا، يشكّل الناطقون بالآرامية شريحةً وافرةً منهم.18 فالممالكُ الآرامية، التي نقتفي أثر لغتها، لم تعد قائمةً ككياناتٍ سياسيةٍ في اللحظة التي أصبحت لغتُها لسانَ العمل في الإمبراطورية الفارسية. لقد مُحيت كياناتُها في العملية ذاتها التي انتشرت بها لغتُها على ألسنة الآخرين.

تلك هي المفارقةُ المركزية لهذا النقل، والجدير بالذكر أنها ليست مفارقةً عرضية. فالآرامية التي كتبها كاتبٌ أخميني على بردي مصرية سنة 420 ق.م. كانت لغة شعوبٍ دُمّرت ممالكُها على يد البنية الإمبراطورية ذاتها التي علّمت الفرس كيف يستعملون اللغة. ونشرُ الآرامية وتدميرُ الممالك الآرامية لم يكونا حدثين منفصلين، بل كانا الحدث ذاته منظورًا إليه من جانبين متقابلين من قائمة المرحَّلين.

الاستخراج الأخميني

كان الديوان الآرامي الأداةَ البيروقراطية لنظام الجزية في الإمبراطورية الفارسية، وكان ذلك النظامُ نظامًا استخراجيًّا في جوهره وفي تطبيقاته. ويُورد هيرودوت، مستندًا إلى مصادر فارسية كانت بين يديه، قائمةً تفصيليةً بالجزية السنوية التي تدفعها كل ساتراپية في عهد داريوس؛ 14,560 وزنة فضّيّة من الفئة الأوبية للإمبراطورية بأسرها، تُقدَّر مصرُ منها بسبعمئة وزنة وحبوبٍ لإطعام حامية الساتراب، وتُقدَّر الهندُ بثلاثمئة وستين وزنة من غبار الذهب الخالص، وبابلُ بألف وزنة وتجهيزات بيت الساتراب، وليديا بخمسمئة وزنة.19 والأرقام موضع نقاشٍ في تفاصيلها الدقيقة، إلا أن مرتبتها العامة لا خلاف عليها بين المختصّين. والمراسلاتُ الآرامية التي أدارت النظام كانت ذراعَ الحفظ الوثائقي لذلك النظام كلِّه؛ كرسائل الضرائب من الساتراب إلى الملك، وسجلّات الحبوب المُرسَلة إلى الحاميات، وقوائم الحرفيّين المُسخَّرين الذين أُرسلوا من مصر إلى سوسة لبناء القصور الملكية.

في سنة 486 ق.م.، وبوفاة داريوس، ثارت مصرُ ضدّ ثقل الضرائب وضدّ ترحيل الحرفيّين المصريين قسرًا لبناء القصور الملكية في سوسة وبرسيبوليس. وقد سحق خشایارشا/أحشويرش الثورةَ سحقًا قاسيًا؛ والمصادر المصرية من عهده شحيحةٌ على نحوٍ لافتٍ للنظر، إذ يبدو أن خشایارشا، خلافًا لأبيه داريوس الذي حمل لقب فرعون ورعى المعابد المصرية، لم يَزر مصر قط طوال حكمه، وعاملها مقاطعةً مفتوحةً بعد الثورة. كما سُحقت الثورات البابلية في الحقبة ذاتها (484 وربما 482 ق.م.) سحقًا مماثلًا؛ وأُخرج تمثالُ مردوخ المعبود من إيساغيلا، وتعرّضت زقّورةُ المدينة للأذى، وفقدت عدّة معابد كبرى أوقافها العريقة.20 وقد سجّل الديوانُ بالآرامية القمعَ في تعديلات الضرائب وفي توجيه دخل المعابد إلى الخزائن الملكية مباشرةً.

ومن بين الأحداث الموثَّقة جيّدًا أيضًا ثورةُ صيدا سنة 351 ق.م. قُبيل نهاية الإمبراطورية بعقدين تقريبًا. فقد سحق أرتحششتا الثالث الثورةَ وأحرق المدينة عن بكرة أبيها؛ ويذكر ديودور الصقلي أن أربعين ألفًا من سكانها قُتلوا، وهو رقمٌ يرجَّح أن يكون مبالَغًا فيه حرفيًّا في تقديرات المعاصرين، لكنه دالٌّ على رتبة الحجم بلا شك. 21 فالنظام الفارسي، حين يُتحدّى، كان يردُّ بعنفٍ على المستوى الذي يلزم الديوانَ تسجيلُه في دفاتره.

والمراسلات الآرامية الواردة من مراكز الساتراپات لم تَنجُ بالنسبة إلى هذه الحوادث الثلاث تحديدًا؛ ذلك أن البردي والجلد لم يصمدا في المناخات الرطبة في بلاد الرافدين والأناضول، حيث جرى معظم العمل الديواني الحقيقي. والذي نجا منها هو هوامش المناخات الجافّة وحدها؛ أي إلفنتين في صعيد مصر، والوثائق البكترية الجلدية في آسيا الوسطى الجافّة. أما الجسدُ المركزي لمراسلات الديوان، أي سوسة وبرسيبوليس وبابل وسرديس وممفيس في المركز الإمبراطوري، فقد ضاع كلُّه إلى الأبد. فنحن نُعيد بناء نظام تشغيل إمبراطوريةٍ بأكملها من شريطٍ رفيع من الأدلّة الهامشية حفظتها مصادفاتُ المناخ لا أكثر. وما لدينا يُظهر بوضوحٍ أن الديوان كان موحَّدًا بالآرامية الإمبراطورية؛ وما ليس لدينا، ويمكن استنتاجه بثقةٍ تستند إلى التشابه البنيوي، أن أوامر سحق ثورات 486 و484 و351 ق.م. قد صدرت بالخطّ الديواني ذاته الذي كُتبت به عقودُ الزواج وإيصالات الحبوب التي حفظتها المناخاتُ الجافّة على البُعد.

إزاحةُ الخطوط المحلية

أما الكلفة التي تكبّدتها الثقافاتُ الإدارية المُزاحة فأصعبُ تكميمًا في موازينها، غير أنها كلفةٌ حقيقيةٌ ملموسة. فالأكادية المسمارية، الخطُّ الذي سجّل أوّل مدن العالم، وأوّل قوانينه، وأوّل ملحمةٍ في تاريخه، قد تقلّصت إلى استخدامٍ ليتورجيٍّ علميٍّ خلال العهد الأخميني، وغدت ميتةً فعليًّا بوصفها خطًّا إداريًّا حيًّا بحلول 100 ق.م. أما الديموطيقيةُ المصرية، التي حصرها الأخمينيّون في الشؤون المحلية، فستبقى إلى العهد الروماني بحياةٍ مقلَّصة؛ غير أن الضغط التراكمي للآرامية ثم اليونانية ثم القبطية على الثقافة الكتابية المصرية أكلها على امتداد ألفية. وأما الفينيقيةُ الشرقية فاختفت لغةً مكتوبةً في العهد الفارسي.

ليست هذه خسائرَ كارثيةً على مقياس انحلال الممالك الآرامية، لكنها خسائرُ مع ذلك لا يصحّ التغافل عنها. فكلُّ خطٍّ من هذه الخطوط حمل أدبًا وطريقةً في تنظيم المعرفة لم يَحفظهما النظامُ الأبجدي الآرامي. فحين تراجعت المسمارية، تراجع معها الجسدُ الأدبي السومري والبابلي بأكمله؛ ولم يصلنا إلى الحداثة إلا النصوصُ المُترجَمة أو التي حُفظت بمحض المصادفة على ألواحٍ معمّرة. أما الثقافاتُ الكتابية التي صانت تلك النصوص قرونًا طويلة، فقد تشتّتت مع زوال الطلب على تدريبها وانصراف الناشئة عن تعلّمها.

التقدير النهائي

تقديرُ شدّة الكلفة عند رتبة 1 ملائمٌ للنقل في حدّ ذاته إذا فُرّق بينه وبين سياقه. فاكتساب الآرامية من الممارسة البابلية وتعميرها معيارًا في عموم الإمبراطورية لم يكن في ذاته فعلًا عنيفًا. والكلفةُ، في حقيقة الأمر، تقع في النظام المحيط؛ أي في الفتح الآشوري للممالك الآرامية التي استعمل النظام لغتَها؛ وفي جهاز الجزية الأخميني الذي خدمه الديوان؛ وفي الإزاحة البطيئة لخطوط الكتابة الإدارية الأقدم في عموم الأرض الإمبراطورية. والقولُ بأن الكلفة معدومة استخفافٌ بالعالم الذي اشتغل فيه الديوان الآرامي. والقولُ بأنها كارثيةٌ بإطلاق خلطٌ بين انتشار اللغة وعنف الإمبراطوريات التي حملتها.

ورث الأخمينيّون الآرامية من شعوبٍ كانت قد فُتحت، واستعملوها في حكم شعوبٍ كانوا يفرضون عليها الجزية، وأورثوها لألف سنةٍ من الاستمرار الديني والأدبي لم تُضاهها فيها أيٌّ من الإمبراطوريات الفاتحة في العالم القديم على الإطلاق. هذا هو دفترُ الحساب كاملًا، بطبقاته كلّها.

والخطوطُ التي يقرأ بها جيرانُك من العبرانيين والعرب والهنود والتبتيين والمنغوليين والمنشوريّين منحدرةٌ من خطٍّ سلّمه الآراميون إلى الأمام دون أن يعلموا أنهم يسلّمون شيئًا أصلًا، ومن خطٍّ أدار به الفرسُ إمبراطوريةً دون أن يدعوها يومًا واحدًا فارسية.

ما تلا ذلك

أين يعيش هذا اليوم

الخطّ العبري المربَّع الخطّ العربي (عبر النبطية) السريانية واللغات الليتورجية المسيحية في الشرق الأوسط الخطوط البراهمية المتفرّعة في الهند وجنوب شرق آسيا الخطّان المنغولي والمنشوري العموديان (عبر السغدية والأويغورية القديمة) مجتمعات الآرامية الجديدة الناطقة بها اليوم في العراق وسوريا والمهجر

المراجع

  1. Schmitt, Rüdiger. The Old Persian Inscriptions of Naqsh-i Rustam and Persepolis. Corpus Inscriptionum Iranicarum, Part I, Vol. I, Texts II. London: School of Oriental and African Studies, 2000. en primary
  2. Beaulieu, Paul-Alain. "Official and Vernacular Languages: The Shifting Sands of Imperial and Cultural Identities in First-Millennium B.C. Mesopotamia." In: Sanders, Seth L. (ed.), Margins of Writing, Origins of Cultures. Chicago: Oriental Institute, University of Chicago, 2006, pp. 187–216. en
  3. Lipiński, Edward. The Aramaeans: Their Ancient History, Culture, Religion. Orientalia Lovaniensia Analecta 100. Leuven: Peeters, 2000. en
  4. Tadmor, Hayim, and Shigeo Yamada. The Royal Inscriptions of Tiglath-pileser III (744–727 BC) and Shalmaneser V (726–722 BC), Kings of Assyria. Royal Inscriptions of the Neo-Assyrian Period 1. Winona Lake, IN: Eisenbrauns, 2011. en primary
  5. Reade, Julian. "Hormuzd Rassam and his discoveries." Iraq 55 (1993): 39–62. See also Reade's discussion of paired Aramaic and cuneiform scribes in the palace reliefs of Sargon II and Ashurbanipal. en
  6. Markwart, Josef. "Iranische Miszellen." Wiener Zeitschrift für die Kunde des Morgenlandes 34 (1927): 1–104. The article in which the term Reichsaramäisch is introduced. de
  7. Gzella, Holger. A Cultural History of Aramaic: From the Beginnings to the Advent of Islam. Handbuch der Orientalistik I/111. Leiden and Boston: Brill, 2015. en
  8. Folmer, Margaretha L. The Aramaic Language in the Achaemenid Period: A Study in Linguistic Variation. Orientalia Lovaniensia Analecta 68. Leuven: Peeters, 1995. en
  9. Henkelman, Wouter F. M. The Other Gods Who Are: Studies in Elamite-Iranian Acculturation Based on the Persepolis Fortification Texts. Achaemenid History XIV. Leiden: Nederlands Instituut voor het Nabije Oosten, 2008. Cf. also Azzoni, Annalisa, "The Bowman MS and the Aramaic Tablets," in Henkelman et al. (eds.), L'archive des fortifications de Persépolis, Persika 12 (Paris: De Boccard, 2008). en
  10. Greenfield, Jonas C., and Bezalel Porten. The Bisitun Inscription of Darius the Great: Aramaic Version. Corpus Inscriptionum Iranicarum, Part I, Vol. V, Texts I. London: Lund Humphries for the School of Oriental and African Studies, 1982. en primary
  11. Cowley, Arthur E. Aramaic Papyri of the Fifth Century B.C. Oxford: Clarendon Press, 1923. Kraeling, Emil G. The Brooklyn Museum Aramaic Papyri: New Documents of the Fifth Century B.C. from the Jewish Colony at Elephantine. New Haven: Yale University Press, 1953. Porten, Bezalel, and Ada Yardeni. Textbook of Aramaic Documents from Ancient Egypt, 4 vols. Jerusalem: Hebrew University, Department of the History of the Jewish People, 1986–1999. en primary
  12. Naveh, Joseph, and Shaul Shaked. Aramaic Documents from Ancient Bactria (Fourth Century BCE) from the Khalili Collections. Studies in the Khalili Collection 4. London: Khalili Family Trust, 2012. en primary
  13. Stolper, Matthew W. "The Babylonian Enterprise of Belesys." In: Briant, Pierre (ed.), Dans les pas des Dix-Mille: Peuples et pays du Proche-Orient vus par un Grec. Pallas 43. Toulouse: Presses Universitaires du Mirail, 1995, pp. 217–238. en
  14. Geller, Markham J. "The Last Wedge." Zeitschrift für Assyriologie 87 (1997): 43–95. On the latest datable cuneiform tablets and the contraction of cuneiform literacy in the Hellenistic and Parthian periods. en
  15. Beyer, Klaus. Die aramäischen Texte vom Toten Meer, samt den Inschriften aus Palästina, dem Testament Levis aus der Kairoer Geniza, der Fastenrolle und den alten talmudischen Zitaten. Vol. 1, Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1984; Vol. 2, 2004. The standard reference grammar of Palestinian Aramaic; cf. Beyer, Klaus, The Aramaic Language: Its Distribution and Subdivisions, trans. John F. Healey, Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1986. de
  16. Greenfield, Jonas C. "Aramaic in the Achaemenian Empire." In: Gershevitch, Ilya (ed.), The Cambridge History of Iran, vol. 2: The Median and Achaemenian Periods. Cambridge: Cambridge University Press, 1985, pp. 698–713. en
  17. Salomon, Richard. Indian Epigraphy: A Guide to the Study of Inscriptions in Sanskrit, Prakrit, and the Other Indo-Aryan Languages. New York: Oxford University Press, 1998. On the Aramaic ancestry of Brahmi and Kharoshthi. en
  18. Oded, Bustenay. Mass Deportations and Deportees in the Neo-Assyrian Empire. Wiesbaden: Reichert, 1979. The standard quantitative reconstruction of Neo-Assyrian deportation policy. en
  19. Herodotus. Histories III.89–97. In: Godley, A. D. (trans.), Herodotus, in four volumes, Loeb Classical Library, vol. II. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1921. The tribute lists of Darius I. en primary
  20. Briant, Pierre. From Cyrus to Alexander: A History of the Persian Empire. Trans. Peter T. Daniels. Winona Lake, IN: Eisenbrauns, 2002. Originally published as Histoire de l'Empire perse: De Cyrus à Alexandre, Paris: Fayard, 1996. fr
  21. Diodorus Siculus. Library of History XVI.43–45. In: Sherman, Charles L. (trans.), Diodorus of Sicily, Loeb Classical Library, vol. VII. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1952. On the sack of Sidon under Artaxerxes III. en primary

قراءات إضافية

استشهد بهذا المقال
OsakaWire Atlas. 2026. "Aramaic becomes the Persian empire's chancery (~550–330 BCE)" [Hidden Threads record]. https://osakawire.com/ar/atlas/aramaic_persian_admin_500bce/