أرسطو وصل إلى أوروبا اللاتينية بالعربية — عبر طليطلة، بعد 1085
بين عامَي 1120 و1280 عبَرت المدونة اليونانية العربية المتراكمة إلى اللاتينية من خلال مدينة مفتوحة على نهر تاجه، ووصلت وقد امتزجت سلفاً بابن سينا وابن رشد. هي التي أتاحت قيام الجامعة الأوروبية. أما الوسطاء اليهود والمستعربون الذين نطقوا بها عبوراً فقد أُبيدوا، ثم سُحب منهم الفضل بعد ذلك.
في أيار/مايو 1085 استسلمت طليطلة لألفونسو السادس ملك قشتالة، فورثت المسيحية اللاتينية سليمةً مكتبةَ مدينةٍ عربية عالِمة من الطراز الأول. وعلى مدى مئة وخمسين سنة تالية تقاطر المترجمون إليها. جيرارد الكريموني وحده، وقد قصدها بحثاً عن كتاب واحد لم يجده باللاتينية، أقام أربعين عاماً وترك قائمة بإحدى وسبعين ترجمة، منها «المجسطي» لبطلميوس و«القانون في الطب» لابن سينا. وكان العمل يجري تناوباً بلسانين: عالِم يهودي أو مستعرب يؤدي العربية جهراً إلى الكلام القشتالي، وكاهن لاتيني يدوّنها. ولم يعبُر نصوص يونانية ضائعة فحسب، بل فلسفة يونانية ملفوفة بثلاثة قرون من الشرح العربي — وهذا ما أعاد بناء المنهاج الأوروبي. أما الجماعات الوسيطة التي أتاحت هذا التناوب فقد ذُبحت سنة 1391، وجُرّدت من الأهلية القانونية سنة 1449، وطُردت سنة 1492.
قبل ذلك: عالم لاتيني برفٍّ واحد من أرسطو ولا سبيل إلى المزيد
في سنة 1120 كان بوسع أستاذ يدرّس الفنون الحرة في شارتر أو لان أو باريس أن يضع تراثه كله من الفلسفة اليونانية على رفٍّ واحد. وكان ذلك يؤول إلى رسالتين قصيرتين لأرسطو — «المقولات» و«العبارة» — بلاتينية بوئثيوس في القرن السادس؛ وإلى «إيساغوجي» فرفوريوس، وهي مدخل إلى أولاهما؛ وإلى ثلاثة كتب تعليمية وضعها بوئثيوس نفسه في الأقيسة الحملية والأقيسة الشرطية وفي الحجة الطوبيقية 1. هذا كل ما هناك. وكانت لهذه الحزمة تسمية — logica vetus، المنطق القديم — وقد حملت التعليم الفلسفي اللاتيني خمسمئة سنة 2.
أما «الطبيعة» و«ما بعد الطبيعة» و«النفس» و«السماء» و«الكون والفساد» و«الآثار العلوية» والمصنفات الأحيائية و«الأخلاق إلى نيقوماخوس» و«التحليلات الأولى» و«التحليلات الثانية» — أي المدونة التي كان مقدَّراً لها أن تنظّم الفكر الأوروبي أربعة قرون تالية — فلم يكن لدى الغرب اللاتيني منها شيء. كان بوئثيوس قد اعتزم ترجمة أفلاطون كله وأرسطو كله. فأُعدم نحو سنة 524 والمشروع لم يكد يبدأ، ولم يستأنفه أحد 1.
ولم تكن الثغرة مسألة عناوين ناقصة. كانت غياب طريقةٍ كاملة في طرح الأسئلة. كان أستاذ القرن الثاني عشر يملك تقنية لتصنيف الحدود واختبار الاستدلالات، ولا يكاد يملك عُدّة للبحث في العالم الطبيعي ولا في بنية النفس ولا في مبادئ الوجود.
ما كان على الرف فعلاً وما لم يكن
وكان بقية الميراث الكلاسيكي أرقّ من ذلك، ومنقولاً في معظمه بالواسطة. فالنقل اللاتيني لـ«طيمايوس» أفلاطون على يد كالكيديوس في القرن الرابع غطّى نحو ثلثَي المحاورة ثم توقف؛ وكان ذلك أفلاطون الوحيد الذي رآه أكثر القراء اللاتين. و«التاريخ الطبيعي» لبلينيوس يقدّم وقائع بلا نظام. و«الاشتقاقات» لإيسيدور الإشبيلي في القرن السابع تقدّم تعريفات. وماكروبيوس ومارتيانوس كابيلا يقدّمان كوزمولوجيا أفلاطونية محدثة في ثوب أدبي. وهي مجتمعةً مكتبة خلاصاتٍ لم يكن أحد في الغرب اللاتيني قادراً على قراءة أصولها 2.
| متاح باللاتينية، نحو 1120 | غير متاح باللاتينية، نحو 1120 |
|---|---|
| أرسطو، «المقولات» و«العبارة» (بوئثيوس) | أرسطو، «الطبيعة» و«ما بعد الطبيعة» و«النفس» و«السماء» |
| فرفوريوس، «إيساغوجي» (بوئثيوس) | أرسطو، «التحليلات الثانية» — نظرية البرهان |
| أفلاطون، «طيمايوس» (جزئياً، كالكيديوس) | أفلاطون كله عدا شذرة «طيمايوس» |
| بلينيوس وإيسيدور وماكروبيوس ومارتيانوس كابيلا | بطلميوس، «المجسطي» — النموذج العملي للأفلاك |
| جداول الحساب لتعيين موعد الفصح | «أصول» إقليدس كاملة؛ مدونة جالينوس المنهجية |
طبٌّ بلا نظام، وفلكٌ بلا نموذج
وفي الطب كان الأمر عينه. كانت ساليرنو قد بدأت تغيّره: فقسطنطين الإفريقي، الوافد إلى مونتي كاسينو من إفريقية في أواخر القرن الحادي عشر، كان قد نقل إلى اللاتينية دفعة أولى من الطب العربي، وهذه الموجة الأولى هي سبب وجود أرضٍ تحطّ عليها الموجة الثانية 10. غير أن الطب اللاتيني ظل بلا متنٍ منظَّم من النظرية الفسيولوجية، وبلا نظام في الأدوية، وبلا إطار تشخيصي من النوع الذي امتلكه الطب العربي منذ قرنين. كان لدى الممارس الساليرني وصفاتٌ وحميات وسمعة. ولم يكن لديه كتاب يقول له ما المرض في ذاته.
وكان الوضع الفلكي أشدّ عرياً. امتلكت المسيحية اللاتينية حسابَ الفصح — أي حساب تعيين موعده، وكان يُدرَّس بوصفه أحد الفنون السبعة — ولم تمتلك نموذجاً هندسياً عاملاً للأفلاك البتة. أما «المجسطي» لبطلميوس، الكتاب الذي حدّد علم الفلك الرياضي منذ القرن الثاني، فكان موجوداً باليونانية والسريانية وفي ثلاث صيغ عربية. ولم يكن موجوداً باللاتينية 4. كان بوسع الأستاذ اللاتيني أن يخبرك بأن الكواكب تتحرك، ولم يكن بوسعه أن يخبرك أين يكون أحدها في الربيع المقبل.
وكان الوضع الرياضي أسوأ من الغياب، لأنه كان معطَّلاً بالفعل. كان الحساب يجري بالأرقام الرومانية على المِعداد وبأيدي مختصين. أما الأرقام الهندية العربية الموضعية وصفرها فقد بلغت العالم العربي من الهند في القرن التاسع ونظّمها الخوارزمي؛ وبلغت أوروبا اللاتينية عبر هذا الممر نفسه في القرن الثاني عشر، والكلمة اللاتينية للحساب بها — algorismus — هي اسمه.
لماذا كانت الكتب بالعربية أصلاً
لم يكن شيء من هذه المادة في طليطلة مصادفةً، والأطلس دقيق هنا، لأن رواية المصادفة هي الرواية المُطرِية لأوروبا. كانت المدونة العربية قائمة لأن مجتمعاً سابقاً دفع ثمنها. فبين نحو 750 و1000 أدارت بغدادُ العباسية حركةَ ترجمة نقلت إلى العربية جُلّ العلم والفلسفة اليونانيين الدنيويين — جالينوس وبطلميوس وإقليدس وأرسطو وأرخميدس — وكان حنين بن إسحاق ومحترفه ينتجون صيغاً من جودة تقنية تجعلها صالحة للاستعمال لا للقراءة فحسب 11.
وعرضُ ديمتري غوتاس لتلك الحركة هو المرجع، وأطروحته الأساسية تمسّ مباشرةً ما جرى في طليطلة بعد ثلاثة قرون: لم تكن الترجمات البغدادية عمل مُتحفيين يصونون تراثاً. بل مولتها الدولة العباسية والبلاط وطبقة اجتماعية واسعة من الرعاة أرادوا هذه المادة لأنها كانت نافعة — للطب وللتنجيم وللإدارة وللهندسة وللجدل 11. والترجمة بهذا الحجم مكلفة، وثمة دائماً من يريد شيئاً.
وورث الأندلس هذه المدونة وأضاف إليها. أما المكتبة التي جُمعت في قرطبة في عهد الحكم الثاني في القرن العاشر فترد في المصادر العربية بأربعمئة ألف مجلد، وهو رقم يعدّه المحدثون اصطلاحياً لا محسوباً، غير أن الحقيقة العملية خلفه ليست موضع شك: ففي القرن الحادي عشر كانت مدن إيبيريا العربية تضم مكتبات بحث فيها إنتاج أصيل — آلات الزرقالي وأزياجه في طليطلة، وكتاب الزهراوي في الجراحة في قرطبة، وتقليد الشرح الذي سيتوّج بابن رشد 12.
فلم يكن المترجمون اللاتين في القرن الثاني عشر يستخرجون المعرفة اليونانية من خزنة. كانوا يصلون، متأخرين أربعمئة سنة، إلى مكتبة بنتها حضارة أخرى وفهرستها وجادلتها وحسّنتها.
طليطلة 1085: مكتبة عربية من الطراز الأول تنتقل ملكيتها
في أيار/مايو 1085 أخذ ألفونسو السادس ملك ليون وقشتالة طليطلة. لم تسقط المدينة اقتحاماً؛ بل استسلمت بعد حصار طويل، وبشروط. وكانت الشروط تضمن للسكان المسلمين أرواحهم وأموالهم ودينهم واستمرار استعمالهم مسجدَهم الجامع 19. وتلقّب ألفونسو بإمبراطور الديانتين. وثبت الاتفاق برهةً.
ولم يكن ما اكتسبته قشتالة حصناً على نهر تاجه فحسب. كان المكتبة العاملة السليمة لمدينة عربية عالِمة من الطراز الأول — عاصمة مملكة طوائف رعى بلاطُها في القرن الحادي عشر الزرقاليَّ، ذلك الفلكي الذي ستُعاد حسبة أزياجه الطليطلية في أنحاء أوروبا مئتَي سنة. لم تُحرق الكتب ولم تُبدَّد 12. بقيت حيث كانت، في مدينة صارت الآن لملك مسيحي لاتيني، على مسيرة ثلاثة أسابيع بالخيل من مدارس جنوب فرنسا.
وكانت المدينة التي استقبلتها ثلاثية اللسان عملياً. فمسيحيوها الكاتبون بالعربية — المستعربون — عاشوا ثلاثة قرون ونصف القرن تحت الحكم الإسلامي وأبقوا قداسهم باللاتينية ومعاملاتهم بالعربية. وكانت جماعتها اليهودية كبيرة موسرة متعلمة بالعربية. وتطبع نشرةُ آنخل غونثالث بالنثيا لأرشيف مستعربي طليطلة، في أربعة مجلدات، 1175 وثيقة قانونية بين سنتَي 1083 و1315؛ وكلها بالعربية إلا خمساً وعشرين، محرَّرة على الصيغة التوثيقية الإسلامية، بأيدي مسيحيين ولمسيحيين، في مدينة تحت الحكم القشتالي 15. هؤلاء هم السكان الذين أتاحوا المئة والخمسين سنة التالية.
النقل: مدينة مفتوحة وتناوبٌ بلسانين
جيرارد الكريموني قصدَ كتاباً واحداً
قبيل سنة 1144 غادر عالِمٌ إيطالي في أواخر العشرينيات كريمونا إلى قشتالة. وقد سجّل تلاميذه السبب. سمع بـ«المجسطي» لبطلميوس، ولم يجده باللاتينية في أي مكان، فمضى إلى طليطلة يطلبه: amore tamen Almagesti, quem apud Latinos minime reperit, Toletum perrexit — «حباً بـ«المجسطي» الذي لم يجده عند اللاتين البتة، توجّه إلى طليطلة» 3.
ووجده. ووجد كذلك، بحسب الرواية نفسها، وفرةً من الكتب بالعربية في كل موضوع. فتعلّم العربية، وبقي بقية عمره. مات جيرارد الكريموني في طليطلة سنة 1187، بعد نحو أربعين سنة. وألحق رفاقه — الـsocii الذين عملوا إلى جانبه — بتأبينه قائمةً بالكتب التي ترجمها. وهي تضم إحدى وسبعين مادة، ومعلوم أنها ناقصة؛ أما العدّ الحديث للترجمات المنسوبة إليه فنحو ثمانين 1.
وليست القائمة خليطاً. فإعادةُ بناء تشارلز بورنيت لها تُظهر منهاجاً مقصوداً: كان جيرارد يتدرج من المنطق إلى الفلسفة الطبيعية ثم إلى الرياضيات والفلك والطب، مترجماً في كل حقل النصوصَ التي كان طالبٌ عربي سيقرؤها، وبالترتيب نفسه تقريباً 1. لم يكن يجمع طرائف. كان يستورد منهاجاً دراسياً.
ومما عبَر باسمه:
- «المجسطي» لبطلميوس، المنجَز نحو 1175 — وهي الصيغة التي استعملتها أوروبا حتى القرن الخامس عشر، مؤثِرةً إياها على ترجمة صقلية عن اليونانية نحو 1160 4؛
- «التحليلات الثانية» و«الطبيعة» و«السماء» و«الكون والفساد» و«الآثار العلوية» (الكتب الأول إلى الثالث) لأرسطو؛
- «القانون في الطب» لابن سينا، الذي صار الكتاب الطبي المدرسي المعتمَد في أوروبا وبقي في المناهج الجامعية حتى القرن الثامن عشر 9؛
- «الجبر» للخوارزمي، وما جاء معه من حساب وهندسة؛
- «أصول» إقليدس في التحرير العربي؛
- الرازي والكندي والفرغاني وجالينوس وأرخميدس وثابت بن قرة وجابر بن أفلح.

طريقة العمل: أفنداوت ينطق ودومينيكوس يكتب
أما المترجم الطليطلي الكبير الآخر فكان يعمل على نحو مختلف وفي مادة مختلفة، وترك وصفاً لطريقته. كان دومينيكوس غونديسالينوس، رئيس شمامسة طليطلة، يترجم الفلسفة — ابن سينا والفارابي والغزالي وابن جبيرول — بينما ركّز جيرارد على العلم والطب 1. ولم يكن غونديسالينوس يعمل وحده.
فمقدمة الإهداء في «Liber de anima» اللاتيني، وهو علم النفس عند ابن سينا، تخاطب أسقف طليطلة وتصف الطريقة بدقة: رجل يؤدي العربية جهراً، كلمةً كلمةً، إلى اللسان الرومانسي الدارج؛ وDominicus archidiaconus يدوّنها لاتينيةً. أما الذي يؤدي فيوقّع Avendauth Israelita — أفنداوت اليهودي 6.
هذه هي هيئة النقل الطليطلي، ويجدر قولها صراحةً: المدونة التي ستصير نظام تشغيل الفكر المسيحي اللاتيني عبَرت إلى اللاتينية من فم عالِم يهودي ينطق بلسان رومانسي دارج ما كانت لغةُ الأصل ولا لغةُ الهدف لتعترف به أدباً. لسانان وثلاث مِلَل، وجملة في كل مرة.
وسلك «مجسطي» جيرارد الطريق نفسه. فقد سجّل دانيال المورلي، وهو طالب إنجليزي سمع جيرارد يدرّس في طليطلة قبل 1175، أن جيرارد كان يعاونه مستعرب اسمه غالب — Galippus mixtarabe في اللاتينية — ينقل العربية إلى الكلام القشتالي ليدوّنها جيرارد لاتينيةً 5. وتُظهر الأعمال الحديثة على الأزياج الفلكية في «مجسطي» جيرارد أن بعضها لم يُترجم فحسب بل أُعيدت حسبته، ومعنى ذلك أن غالباً وجيرارد لم يكونا ناسخَين بل فلكيَّين ممارسَين 4.
ومنذ اقترحت ماري تيريز دالفيرني ذلك سنة 1954، يماهي أكثر الباحثين بين أفنداوت وإبراهيم بن داود، الفيلسوف والمؤرخ الذي فرّ من الاضطهاد الموحدي في الجنوب. ولم تثبت هذه المطابقة إثباتاً قاطعاً وتظل موضع خلاف؛ ومراجعة غاد فرويدنتال سنة 2016 تحشد أقوى الحجج لصالحها وتظل تسميها فرضية 7. والأطلس يعدّها راجحة لا مؤكدة.
من كان هناك أيضاً وماذا أراد الأساقفة
لم يكن المترجمون جهازاً وظيفياً. كانوا تعاقب أفراد يفدون، ويتقاطعون أحياناً، ثم يرحلون أو يموتون: يوحنا الإشبيلي، العامل في ثلاثينيات القرن وأربعينياته؛ وهرمان الكارنثي وروبرت الكيتوني في وادي إيبرو في الأربعينيات؛ وجيرارد وغونديسالينوس وأفنداوت في النصف الثاني من القرن؛ وألفرد الساريشلي وميخائيل سكوت نحو 1200؛ ومرقس الطليطلي في عهد الأسقف رودريغو خيمينث دي رادا بعد 1209 2. وجاء دانيال المورلي من باريس نافراً مما وجده فيها، لأن — كما يكتب — تعليم العرب جعل طليطلة ذائعة الصيت، فأسرع إليها «ليسمع أحكم فلاسفة العالم» 5.
وكانت الرعاية كنسية. أيّد الأسقف ريموند (1125–1152) والأسقف يوحنا (1151–1166) هذا العمل؛ ومقدمة «De anima» مهداة إلى الثاني 6. وكانت مجالس الكاتدرائيات تمنح المرتبات، والمرتبات تمنح الدخل، والدخل يمنح الوقت. وهذا مهم في حساب الكلفة، لأن المؤسسة نفسها التي دفعت لأجل أرسطو دفعت لأجل شيء آخر أيضاً، وفي العقود ذاتها.
ميخائيل سكوت ووصول «الشارح»
غيّرت المرحلة الثانية ما كان الغربُ اللاتيني يقرأ أرسطو به. فابن رشد القرطبي مات سنة 1198 بعد أن كتب أنسق شروح أرسطو التي أُنتجت بأي لسان. وفي نحو ثلاثين سنة من وفاته كانت شروحه الكبرى باللاتينية. ترجم ميخائيل سكوت «تاريخ الحيوان» لأرسطو في طليطلة نحو 1220، ودخل خدمة فريدريك الثاني في صقلية نحو 1228، وأخرج صيغاً لاتينية لشروح ابن رشد الكبرى على «السماء» و«النفس» و«الطبيعة» و«ما بعد الطبيعة» 10.
والنتيجة سهلة القول عسيرة المبالغة. لم تتلقَّ أوروبا اللاتينية أرسطو ثم تتلقَّ تأويلاته لاحقاً. تلقّته مؤوَّلاً سلفاً — ملفوفاً بثلاثة قرون من الشرح العربي، وقد وصل علم النفس السينوي قبل هضم نص أرسطو نفسه في «النفس»، ووصل ابن رشد بسلطان جعل اللاتينيةَ المدرسية تمنحه لقباً بدل اسم. كان أرسطو الفيلسوف. وكان ابن رشد الشارح 10.
لم تكن هناك «مدرسة طليطلة»
العبارة اختراع من القرن التاسع عشر. ففي 1819 تكلم المستشرق الفرنسي أمابل جوردان على collège de traducteurs في طليطلة؛ وفي 1874 شاع على يد الفيلولوجي الألماني فالنتين روزه تعبير die Schule von Toledo. ولا يصف أي مصدر وسيط مؤسسةً من هذا القبيل. لا ميثاق ولا هيئة تدريس ولا موظفون برواتب ولا مبنى 1.
أما ما كان موجوداً فهو، كما يحاجّ بورنيت، أفضل من مدرسة وأغرب: برنامج — تسلسل متماسك من النصوص تابعه عقوداً علماءُ يعرف بعضهم عمل بعض، في مدينة تصادف أنها تملك الكتب والسكان ثنائيي اللسان اللازمين لقراءتها 1. ويستعمل الأطلس «طليطلة» في كل موضع بوصفها مكاناً وممراً، لا مؤسسة.

المرحلة الثانية: ألفونسو العاشر، أو حين غيّر الممر لغته
امتدت المرحلة اللاتينية إلى منتصف القرن الثالث عشر تقريباً. ثم فعل الممر أمراً غير مألوف: غيّر لغة الوصول. فألفونسو العاشر ملك قشتالة، الذي حكم من 1252 إلى 1284 ويُلقَّب el Sabio، رعى موجة أخرى من الترجمة عن العربية — لكن إلى القشتالية لا إلى اللاتينية. أما المجاميع الفلكية التي أُعدّت له، أي «Libro del saber de astronomía» والأزياج التي عُرفت من بعدُ بالأزياج الألفونسية، فقد جمّعتها فرقٌ ضمّت علماء يهوداً يعملون باللسان الدارج 12.
وسارت العواقب في اتجاهين. فالقشتالية العلمية اختُرعت لهذا الغرض عملياً — لسان أوروبي دارج مُنح مفردات تقنية ونثراً تفسيرياً قبل قرنين من امتلاك معظم جيرانه أياً منهما. أما الأزياج الألفونسية، المنقولة بعد ذلك إلى اللاتينية في باريس في عشرينيات القرن الرابع عشر، فصارت الأزياج الفلكية المعتمَدة في أوروبا، تُستعمل لمواضع الكواكب في القارة كلها حتى القرن السادس عشر. وبها حسب كوبرنيكوس.
إنه الممر نفسه والمدينة نفسها والسكان الوسطاء أنفسهم ولغةُ وصول أخرى. وهو أيضاً الطور الأخير: فقد توقف نشاط الترجمة من العربية إلى اللاتينية شبه تام بعد نحو 1300 ولم يُستأنف إلا بعد 1480 10.
ما تغيّر وما استُبدل
من المنع إلى الإلزام: باريس، 1210–1255
حاولت المؤسسة اللاتينية التي تلقّت المدونة أن ترفضها أولاً. والتسلسل موثّق وقصير بما يكفي لعرضه صريحاً:
| السنة | الإجراء | الأثر |
|---|---|---|
| 1210 | مجمع إقليمي في سانس برئاسة الأسقف بيير دي نيمور | مُنعت في باريس المحاضرات في الفلسفة الطبيعية لأرسطو تحت طائلة الحرمان 17 |
| 1215 | لوائح الموفد البابوي روبير دي كورسون | تأكيد المنع؛ وإخراج «ما بعد الطبيعة» والكتب الطبيعية من منهاج الفنون 17 |
| 1231 | غريغوريوس التاسع، «Parens scientiarum» | تخفيف المنع إلى «حتى تُفحص وتُنقّح»؛ وتعيين لجنة برئاسة غيّوم الأوفرني لتنقيح النصوص 18 |
| 1255 | لائحة كلية الفنون في باريس، 19 آذار/مارس | جُعلت المحاضرات في المدونة الأرسطية المعروفة كلها إلزامية، بحد أدنى من أيام المحاضرة مقرَّر لكل كتاب 18 |
| 1270 | إتيان تامبييه يدين ثلاث عشرة قضية | موجَّهة إلى القراءات الرشدية — عقل واحد للبشرية جمعاء، وقِدَم العالم 17 |
| 1277 | تامبييه يدين 219 قضية | أوسع محاولة للاحتواء؛ وقد أخفقت في إزاحة المدونة 17 |
خمس وأربعون سنة تفصل المنع عن الإلزام. ولم تُخرج لجنة 1231 قط أرسطو منقَّحاً. بل ما جرى أن كلية الفنون قرأت الكتب على أي حال، وتبيّن أن الكتب لا غنى عنها، فكتبت المؤسسة هذه الحقيقة في لوائحها.
ما صارت إليه الجامعة
لم تدخل المدونة المنهاجَ فحسب؛ بل أعطت المنهاج شكله. فالإجازة في الفنون في باريس بعد 1255 كانت تعني اجتياز تسلسل ثابت من الكتب الأرسطية بحصص محاضرات ثابتة. وهذه البنية — مدونة محددة، وترتيب محدد، ومنهج محدد في المناظرة حول قضايا متنازع فيها — هي سلف الخطة الدراسية والامتحان والدرجة الأكاديمية 18.
وجعلت كلية الفنون كذلك شيئاً لم تكنه من قبل. ففي نظام مدارس الكاتدرائيات القديم كانت الفنون الحرة تمهيداً لعلم اللاهوت. وبعد تلقّي فلسفة طبيعية كاملة صار لكلية الفنون موضوعها الخاص — العالم الطبيعي والنفس والأفلاك — وهو لا يُردّ إلى قضايا لاهوتية. وأفضل قراءة لإدانتَي 1270 و1277 أنهما اللحظة التي تنبّهت فيها كلية اللاهوت إلى ذلك 17.
المفردات التي جاءت معها
الألفاظ المقترضة هي السجل المتحجر لهذا النقل، ولا تزال مستعملة. من النصوص الرياضية والفلكية: الجبر، والخوارزمية (عن اسم الخوارزمي)، والسَّمت (زينيث)، والنظير (ناظير)، والسَّمْت الأفقي (أزيموث)، والمناخ (ألمناك)، وأسماء النجوم — الدبران والطائر ويد الجوزاء ورِجل الجبار والنسر الواقع والذنَب. ومن النصوص الطبية والكيميائية: القِلي، والكحول، والإكسير، والشراب، والصودا. أما الاقتراضات الفلسفية فألطف وأبعد أثراً: مصطلحات لاتينية تقنية مثل intentio، التي صيغت لتحمل «المعنى» السينوي، دخلت علم النفس المدرسي وبقيت فيه أربعمئة سنة 8.
ماذا فعل ذلك بالطب والفلك على وجه التحديد
التلقّي الفلسفي هو النصف الشهير من الحكاية. والنصف العملي أكبر. فـ«القانون في الطب» لابن سينا، بلاتينية جيرارد، أعطى الطبَّ الأوروبي ما لم يكن له قط: مصنَّفاً واحداً منهجياً يغطي الأصول العامة والأدوية المفردة والأمراض بحسب أعضاء البدن والعلل العامة والأدوية المركبة، منظَّماً بحيث يمكن تدريسه بالتسلسل والامتحان فيه. صار عمود التعليم الطبي في مونبلييه وبولونيا وبادوا وباريس، وظل يُدرَّس في الجامعات الأوروبية حتى القرن الثامن عشر 9. ولم يُزحه أي مصنَّف لاتيني خمسمئة سنة، لأنه لم يكن ثمة مصنَّف لاتيني بهذا الاتساع.
وأُعيد تنظيم الفلك بالقدر نفسه من الشمول. فقبل «المجسطي» كان الفلك الأوروبي تقويمياً. وبعده صار الفلك الأوروبي علماً رياضياً له نموذج هندسي وفهرس نجوم وجهاز حسابي — أفلاك التدوير والأفلاك الخارجة المركز والمعدِّلات — يستطيع الممارسون نقده وتعديله ورفضه في النهاية. وقد كُيّفت أزياج الزرقالي الطليطلية لمرسيليا ولندن وباريس وتولوز؛ ثم حلّت محلها الأزياج الألفونسية؛ وذلك المشروع كله الذي تدرّب فيه كوبرنيكوس ثم قطع معه هو الذي وصل عبر هذا الممر 4.
ويجدر قول ذلك بلا رومانسية. لم يعطِ النقلُ أوروبا مجموعة نتائج. أعطاها جهازاً تقنياً عاملاً — نماذج للحساب، ومدونة للتدريس، وتقليداً في الشرح يبرهن على أن الحجج مع أصحاب السلطة ممكنة. ورفضُ بطلميوس وجالينوس في القرن السابع عشر لم يكن ممكناً إلا لأن القرن الثاني عشر استوردهما في صورة من الدقة تكفي لإثبات خطئهما.
الطريق اليوناني وحساب أمين للجدل
لم يكن الطريق العربي وحده، والأطلس لا يزعم ذلك. فقد جرت الترجمة من اليونانية إلى اللاتينية بالتوازي طوال القرن الثاني عشر. ترجم يعقوب البندقي «التحليلات الثانية» و«الطبيعة» و«النفس» وجزءاً من «ما بعد الطبيعة» عن اليونانية مباشرة قبل نحو 1150؛ وعمل بورغونديو البيزي على جالينوس ويوحنا الدمشقي؛ وفي ستينيات القرن الثالث عشر أخرج غيّوم دي موربيكه أرسطو منقولاً عن اليونانية مباشرة، وهو الذي فضّله توما الأكويني وأزاح عدة صيغ آتية من العربية 10.
وأمران صحيحان معاً. أولهما أن الصيغ اليونانية المباشرة لعدة نصوص محورية وُجدت مبكراً واستُعملت على نطاق واسع — فترجمات يعقوب البندقي قرأها غروستست وبيكون وتوما الأكويني. وثانيهما أن الصيغة الآتية من العربية هي التي استعملتها أوروبا فعلاً في قائمة طويلة من المصنفات، وأن الطريق العربي حمل في العلوم مادةً لا طريق يوناني لها البتة: جبر الخوارزمي، وأزياج الزرقالي، و«قانون» ابن سينا، وجراحة الزهراوي، وتقليد الشرح كله. و«المجسطي» هو حالة الاختبار الصافية: ترجمة صقلية عن اليونانية نحو 1160 خسرت. أما صيغة جيرارد الآتية من العربية نحو 1175 فهي التي دارت ونُسخت وطُبعت سنة 1515 4.
وقد كان هذا جدلاً حياً. ففي 2008 حاجّ كتاب «Aristote au Mont Saint-Michel» لسيلفان غوغنهايم بأن الطريق اليوناني، وتحديداً العمل المنجَز في مون سان ميشيل، كان القناة الحاسمة وأن الإسهام العربي ضُخّم 14. وجاء الرد فورياً وسلبياً بأغلبية ساحقة: مجلد جماعي بعنوان «Les Grecs, les Arabes et nous»، بإشراف فيليب بوتغن وآلان دي ليبيرا ومروان الرشد وإيرين روزييه كاتاش، فكّك معالجة الكتاب للأدلة المخطوطية، وتبرأت عريضةٌ لباحثين في تاريخ الوسيط والفلسفة من استعماله 13. والإجماع العلمي بعد هذه الواقعة ليس أن الطريق اليوناني كان عديم الأهمية. بل أن الطريقين سارا معاً، وأن العربي غلب في العلوم وفي تقليد الشرح، وأن حسابَ أيّ مدونة وصلت متى ليس موضع نزاع جدي — إذ تُحصى 131 مادة فلسفية عربية عبَرت إلى اللاتينية 10.
ما أُزيح
استبدل التلقّي أشياء، والأطلس يسمّيها:
- الكوزمولوجيا الأفلاطونية النزعة في القرن الثاني عشر. كانت قراءة مدرسة شارتر لـ«طيمايوس» — نفس العالم، والكون بوصفه مصنوعاً منظَّماً — أطمحَ فلسفة طبيعية أنتجتها أوروبا اللاتينية بنفسها. وبعد «الطبيعة» و«السماء» لم يبق لها مستقبل كبرنامج بحثي.
- الـlectio الرهبانية بوصفها النمط السائد في الدرس. تراجعت القراءة التعبدية البطيئة للنصوص المعتمَدة أمام المناظرة: مسألة متنازع فيها، وحجج من الجانبين، ثم فصلٌ فيها.
- الطب الساليرني العملي في قمة الحقل. قدّم «قانون» ابن سينا نظاماً نظرياً كاملاً، وانتصر النظام 9.
- الفنون بوصفها مجرد تمهيد. صار الثلاثي والرباعي كليةَ فلسفة لها موضوعها.
- الفلك اللاتيني بوصفه حساباً للفصح. بعد «المجسطي» صار الفلك الأوروبي يعني النمذجة الهندسية، وصار ذلك يعني العمل بمصطلحات بطلمية حتى كوبرنيكوس 4.
ما لم يعبُر
يتحدد النقل بمصفاته بقدر ما يتحدد بمحتواه، وكانت مصفاة طليطلة ضيقة على نحو محدد: مرّرت العلم والفلسفة ولا شيء آخر تقريباً.
- الأدب العربي لم يعبُر. لا ترجمة لاتينية للمعلقات ولا للمتنبي ولا لـ«طوق الحمامة» لابن حزم ولا للمقامات. فالعربية التي تعلّمت أوروبا قراءتها كانت نثراً تقنياً.
- علم الكلام لم يعبُر بوصفه علم كلام. فهذا الحقل الذي جادل فيه المفكرون المسلمون في صفات الله والسببية والعالم المخلوق لم يصل إلا شذرات، مصفاةً عبر نصوص فلسفية.
- النقد الداخلي الكبير للفلسفة لم يعبُر. فـ«مقاصد الفلاسفة» للغزالي، وهو تلخيص للمذهب السينوي كُتب تمهيداً لتهافتٍ عليه، تُرجم في طليطلة في أواخر القرن الثاني عشر — من دون مقدمته. فحسب القراء اللاتين «ألغازل» تلميذاً وفياً لابن سينا واستعملوه أربعمئة سنة مختصَراً مريحاً للفلسفة العربية. أما حجته الحقيقية على الفلاسفة، «تهافت الفلاسفة»، فلم تُترجم في تلك الحقبة البتة. وألبرت الكبير وتوما الأكويني كلاهما يستشهد بألغازل؛ ولم يكن أيٌّ منهما يعرف ما كان يرى.
- التاريخ العربي لم يعبُر. أخذت أوروبا اللاتينية فلكَ حضارةٍ ولم تأخذ روايتها عن نفسها.
والمصفاة ليست محايدة. فالمجتمع الذي يستورد آلات مجتمع آخر ويردّ شعره ولاهوته وتاريخه يكون قد قرر سلفاً فيمَ يصلح ذلك المجتمع الآخر.
الأكويني والتسوية التي صمدت أربعة قرون
عزم ألبرت الكبير، المدرّس في باريس وكولونيا منذ أربعينيات القرن الثالث عشر، على شرح المدونة الأرسطية كلها باللاتينية. وبنى تلميذه توما الأكويني، وهو يكتب «الخلاصة اللاهوتية» بين 1265 و1274، لاهوتاً هيكلُه ومفرداته ومنهجه أرسطية ومحاوروه عرب. يستشهد توما بابن سينا وابن رشد باستمرار، ويوافقهما كثيراً، ويردّ عليهما بدقة؛ ورسالته ضد القراءة الرشدية للعقل حجاجٌ يجري داخل مصطلحات «الشارح» نفسها 10.
وصمدت التوليفة. فرغم 1277 ورغم نقّاد القرن الرابع عشر، بقيت المدونة الأرسطية المنقولة عبر العربية نظامَ تشغيل الفلسفة الطبيعية والطب والميتافيزيقا في أوروبا حتى أزاحها القرن السابع عشر — أي حتى صار غاليليو وديكارت ونيوتن يجادلون شيئاً بعينه، وكان ذلك الشيء قد جاء عبر طليطلة.
فيمَ كانت الكلفة
النقل نفسه كان سلمياً. أما شرطه المسبق فلا
لم يمت أحد في سبيل «المجسطي». لا مذبحة تُنسب إلى الترجمات، ولا مصادرة كتب يمكن توثيقها سرقةً، ولا عمل قسري في دور النسخ. جاء جيرارد طوعاً وبقي طوعاً. وبادر أفنداوت إلى المشروع السينوي بدل أن يُجنَّد له 7. وبحسب المصادر كانت علاقات العمل في طليطلة زمالة.
الكلفة في موضع آخر، وهي حقيقية. كان الممر قائماً لأن طليطلة أُخذت فتحاً؛ وكانت الجماعات التي جعلت الممر سالكاً هي عينها التي دمّرها المجتمع الفاتح تدريجاً؛ وسُحب الفضل عما عبَر سحباً منهجياً ما إن اكتمل العبور.
شروط 1085 وما آلت إليه
كانت شروط استسلام ألفونسو السادس تضمن لمسلمي طليطلة مسجدهم الجامع. وفي تشرين الأول/أكتوبر 1087، أثناء غياب ألفونسو، أرسل الأسقف برنار دي سيديراك والملكة كونستانس رجالاً مسلّحين للاستيلاء عليه ونصب مذبح مسيحي فيه وتعليق ناقوس في مئذنته. وتذكر رواية الإخباريين أن ألفونسو عاد غاضباً وأوشك أن يعاقب المسؤولين، وأن فقيه المدينة المسلم أبا الوليد استعطفه وأقنع قومه بقبول الخسارة 19. فصار المسجد كاتدرائية. وكانت المعاهدة قد دامت سنتين.
ولم يبقَ السكان المسلمون الذين ضُمنت لهم أرواحهم وأموالهم ودينهم طويلاً ليختبروا الضمان. فعلى امتداد القرن الثاني عشر إما هاجر مسلمو الوسط المفتوح جنوباً إلى غرناطة وشمال إفريقيا، وإما بقوا مدجَّنين — جماعات رعوية مقبولة قانوناً لها أحياؤها ومساجدها وقضاؤها، ولا مستقبل سياسي لها 19. طليطلة، التي كانت سنة 1084 مدينة إسلامية من الطراز الأول، صارت في جيلين مدينةً مسيحية بأقلية مسلمة. بقيت المكتبات. أما المجتمع الذي أنتجها فرحل أو تقلّص.
أما المستعربون — المسيحيون الناطقون بالعربية الذين ما كانت الترجمات لتتم دونهم — فقد فُكّكوا على نغمة أخرى. فمجمع بورغوس سنة 1080، أي قبل سقوط طليطلة بخمس سنوات، كان قد ألغى طقسهم الإسباني لصالح الطقس الروماني في قشتالة وليون كلها، بدفع من ألفونسو السادس وغريغوريوس السابع وتحت ضغط كلوني. قاوم مستعربو طليطلة ونالوا إعفاءً جزئياً — ست رعايا — أي أُذن لهم بالبقاء بوصفهم طرفة 19. ويُظهر السجل اللغوي في أرشيف غونثالث بالنثيا الجماعةَ تكتب بالعربية حتى القرن الرابع عشر ثم تكفّ 15.
الممر نفسه أنتج أول قرآن لاتيني
في 1142 سافر بطرس المبجَّل، رئيس دير كلوني، إلى إسبانيا وكلّف فريقاً — روبرت الكيتوني وهرمان الكارنثي وبطرس الطليطلي ومسلماً لم يُسمَّ إلا محمداً — بإعداد ملف لاتيني عن الإسلام. وكانت ترجمة روبرت الكيتوني للقرآن، المنجَزة سنة 1143 والمعنونة «Lex Mahumet pseudoprophete»، أول ترجمة إلى أي لغة أوروبية غربية. وقد بقيت في أربع وعشرين مخطوطة، وطبعها بيبلياندر سنة 1543، وكانت الصيغة التي قرأتها أوروبا أربعمئة سنة 16.
وكان غرضها معلناً: جعل الرد المسيحي على الإسلام أنجع. وفي 1210 أخرج مرقس الطليطلي قرآناً لاتينياً ثانياً أشدّ حرفيةً للأسقف رودريغو خيمينث دي رادا — الأسقف نفسه الذي سار بعد سنتين مع التحالف المسيحي في العقاب 16. فقد تشاركت حركة الترجمة والحملة الصليبية الرعاةَ والمدينة والعقد الزمني.
وليس هذا نفاقاً يُسجَّل. إنه البنية الفعلية للنقل: المهارات نفسها والوسطاء أنفسهم، وغالباً الرجال أنفسهم، خدموا في آن واحد الاستيلاءَ العلمي والجدلَ الديني. ودراسة توماس بورمان عن الطريقة التي قُرئت بها هذه الترجمات القرآنية فعلاً تُظهر الدافعين متشابكين — فالجدية الفيلولوجية كانت أصيلة، والغرض الجدلي كذلك 16.
الوسطاء: من لا غنى عنهم إلى المشبوهين
الجماعات التي أتاحت التناوب — يهود طليطلة ومستعربوها — قُبلت ما دامت نافعة ودُمّرت حين لم تعد. والتواريخ محددة.
- 1391. المذابح التي بدأت في إشبيلية في حزيران/يونيو بلغت طليطلة في أسابيع. نُهب حي اليهود في المدينة، وهو أهم حي يهودي في قشتالة؛ وأُحرقت معابده الكبرى أو حُوّلت كنائس؛ وبلغ القتلى المئات في طليطلة والآلاف في قشتالة وأراغون، وتنصّر الناجون بعشرات الآلاف 20.
- 1449. في 5 حزيران/يونيو، أثناء انتفاضة على الكونفرسو بقيادة بيرو سارميينتو، أصدرت طليطلة «Sentencia-Estatuto» — أول نظام لنقاء الدم في التاريخ الأوروبي. أقصى الكونفرسو من أصل يهودي عن المناصب البلدية والقضاء، وبالتخصيص عن التوثيق: المهنة التي حرّرت الوثائق القانونية العربية في أرشيف غونثالث بالنثيا 21.
- 1492. طرد الملكان الكاثوليكيان يهود قشتالة وأراغون. وانتهت جماعة طليطلة اليهودية، الحاضرة بلا انقطاع منذ ما قبل القوط الغربيين، والتي أمدّت الغربَ اللاتيني بالرجال الذين قرأوا ابن سينا جهراً.
ثلاثمئة سنة تفصل «Liber de anima» عن الطرد. وهي سلسلة سببية طويلة، والأطلس لا يزعم أن الترجمات سببت المذابح. بل يزعم ما هو أضيق وأقسى: أن النقل توقف على مجتمع تعددي، وأن المجتمع المتلقي لم يحفظ تلك التعددية، وأن المدينة نفسها أنتجت الممر وأنتجت، سنة 1449، الأداةَ القانونية التي جعلت النسب عجزاً دائماً.
القمع بعد الاستيعاب
آخر بنود الكلفة يخص السجل نفسه. فقد توقفت الترجمة من العربية إلى اللاتينية شبه تام بعد نحو 1300 ولم تُستأنف إلا بعد 1480 10. وكان الإحياء في عصر النهضة كبيراً: ترجمات جديدة، وطبعات متعددة المجلدات لابن سينا وابن رشد، ومرجعيات عربية مستشهَد بها في الطب والفلسفة والتنجيم.
وإلى جانبه سارت حملة لشطب الدَّين. وكتاب داغ نيكولاوس هاسه «Success and Suppression» هو الدراسة المرجعية، ونتيجته ذات وجهين عن قصد: كان عصر النهضة في آن واحد ذروةَ النفوذ العربي في أوروبا والحقبةَ التي بدأ فيها الغرب ينكره. ولم يكن الإنكار إجماعاً واسعاً بل عمل جماعة صغيرة من المتشددين هاجموا المدونة العربية اللاتينية على أسلوبها البربري وعلى انتحالها من اليونان وعلى إلحادها — وكانوا يحاجّون بهذه الشدة تحديداً لأن النفوذ كان بهذه القوة 9. فطهّر المحققون الإنسانيون صفحاتِ العناوين من الأسماء العربية، واستبدلوا حيث استطاعوا الصيغَ الآتية من اليونانية بالصيغ الآتية من العربية، وعلّموا أن العصور الوسطى لم تستعد شيئاً وأن النهضة استعادت كل شيء.
وقد نجحت تلك الحملة بما يكفي لأن تظل الرواية الأوروبية المعتادة عن إحياء الكلاسيكيات تبدأ في فلورنسا القرن الخامس عشر لا في طليطلة القرن الثاني عشر — بتأخر ثلاثمئة وخمسين سنة وبلغة خطأ. ثم اخترع القرن التاسع عشر «مدرسة طليطلة» التي لم توجد قط، وفي 2008 كان لا يزال بوسع مؤرخ فرنسي للوسيط أن ينشر كتاباً يقول إن الطريق العربي مبالَغ فيه، وأن يُردّ عليه برد جماعي بحجم كتاب 1314. والجدل حول من يستحق ماذا جارٍ منذ خمسمئة سنة ولم ينتهِ.
ما لا يزعمه هذا السجل
لا يصف الأطلس فردوسَ تسامحٍ سلبه الفتح المسيحي. فالأندلس في القرن الثاني عشر هو أيضاً الدولة الموحدية: فرضت على اليهود والمسيحيين التحوّل أو النفي منذ 1148، ودفعت أسرة موسى بن ميمون الفتى إلى عقد من التنقل، وحاكمت سنة 1195 ابن رشد نفسه فأحرقت كتبه الفلسفية وحظرت الفلسفة ونفته إلى لوسينا. ثم رُدّ اعتباره بعد سنتين ومات سنة 1198 12. وتلقّى الغربُ اللاتيني عمل «الشارح» جزئياً لأن المجتمع الذي أنتجه كان قد تبرأ منه لتوّه.
ولا يزعم هذا السجل أن المترجمين كانوا عملاء إمبراطورية. كانوا في معظمهم علماء يطاردون كتباً، وعدد منهم — وجيرارد قبل الجميع — أعطى عمره العملي لمدينة ليست مدينته ومات فيها. فحساب الكلفة هنا بنيوي لا شخصي.
الفاتورة
شدة الكلفة 2. لا وفيات تُنسب إلى النقل. معاهدة نُقضت بعد سنتين من الفتح الذي فتح الممر، ومسجد جامع أُخذ بالقوة في تشرين الأول/أكتوبر 1087. وتقليد طقسي أُلغي بمجمع سنة 1080 وحُصر في ست رعايا معفاة. وجماعتان وسيطتان — مستعربة ويهودية — لا غنى عنهما للنقل، وفي ثلاثة قرون: واحدة أُذيبت حتى الزوال، وأخرى ذُبحت سنة 1391 وجُرّدت من الأهلية سنة 1449 وطُردت سنة 1492. وحملة محو للفضل عمرها خمسمئة سنة، لا تزال تصوغ الطريقةَ التي يروي بها الأوروبيون أصولهم الفكرية.
في المقابل: الجامعة الأوروبية، واستعادة العلم اليوناني، وأربعة قرون من الفلسفة الطبيعية، والعدّة الفكرية التي احتاجها القرن السابع عشر ليجادلها.
العمودان كلاهما حقيقي. والأطلس يطبع كليهما.
ما تلا ذلك
-
1085أيار/مايو 1085: طليطلة تستسلم لألفونسو السادس بشروط تضمن للمسلمين الأرواح والأموال والدين والمسجد الجامع. ولا تُحرق مكتبات المدينة العربية ولا تُبدَّد — فتكتسب المسيحية اللاتينية مكتبة علمية عاملة سليمة.
-
1087تشرين الأول/أكتوبر 1087: الأسقف برنار دي سيديراك والملكة كونستانس يرسلان رجالاً مسلّحين للاستيلاء على مسجد طليطلة الجامع أثناء غياب ألفونسو السادس، فينصبان فيه مذبحاً وناقوساً. كانت شروط الاستسلام قد دامت سنتين.
-
11431143: روبرت الكيتوني ينجز «Lex Mahumet pseudoprophete»، أول ترجمة لاتينية للقرآن، بتكليف من بطرس المبجَّل الكلوني ولغرض الرد صراحةً. بقيت في 24 مخطوطة وطُبعت سنة 1543.
-
1166قبل 1166: أفنداوت — وهو على الأرجح إبراهيم بن داود — يؤدي «كتاب النفس» لابن سينا جهراً باللسان الرومانسي بينما يدوّنه رئيس الشمامسة دومينيكوس غونديسالينوس بوصفه «Liber de anima» اللاتيني. والمقدمة تسجّل الطريقة.
-
1175نحو 1175: جيرارد الكريموني، بمعاونة المستعرب غالب، ينجز «المجسطي» اللاتيني. وبعض أزياجه الفلكية أُعيدت حسبته لا نُقل فحسب. ويبقى بطلميوسَ أوروبا حتى القرن الخامس عشر.
-
11871187: جيرارد يموت في طليطلة بعد نحو أربعين سنة. ويلحق رفاقه *socii* بتأبينه قائمة بإحدى وسبعين مادة مترجمة — منهاجاً دراسياً لا خليطاً، يمتد من المنطق إلى الفلسفة الطبيعية ثم إلى الفلك والطب.
-
12101210: مجمع إقليمي في سانس يمنع في باريس المحاضرات في الفلسفة الطبيعية لأرسطو تحت طائلة الحرمان. ويؤكد روبير دي كورسون المنع سنة 1215.
-
1228نحو 1220–1230: ميخائيل سكوت يترجم شروح ابن رشد الكبرى، في طليطلة أولاً ثم في بلاط فريدريك الثاني الصقلي. فيصل أرسطو إلى الجامعات مؤوَّلاً سلفاً؛ وتسمي اللاتينية المدرسية ابن رشد «الشارح» فحسب.
-
125519 آذار/مارس 1255: كلية الفنون في باريس تجعل المحاضرات في المدونة الأرسطية المعروفة كلها إلزامية، بحد أدنى من أيام المحاضرة مقرَّر لكل كتاب. بعد خمس وأربعين سنة من المنع، تطلب المؤسسة نفسها النصوص نفسها.
-
12771277: الأسقف إتيان تامبييه يدين 219 قضية في باريس، بعد ثلاث عشرة سنة 1270. وأوسع محاولة لاحتواء أرسطو المنقول عبر العربية تخفق في إزاحته عن المنهاج.
-
13911391: المذابح التي بدأت في إشبيلية تبلغ طليطلة. فيُنهب أكبر حي يهودي في قشتالة وتُحرق معابده الكبرى أو تُحوَّل، ويسقط المئات في المدينة والآلاف في قشتالة وأراغون، مع تنصير قسري واسع.
-
14495 حزيران/يونيو 1449: طليطلة تصدر «Sentencia-Estatuto»، أول نظام لنقاء الدم في أوروبا، يقصي *الكونفرسو* من أصل يهودي عن المناصب البلدية والقضاء والتوثيق — المهنة التي حرّرت وثائق المدينة القانونية العربية.
-
14921492: الملكان الكاثوليكيان يطردان يهود قشتالة وأراغون. وتنتهي جماعة طليطلة التي أمدّت بالرجال الذين قرأوا ابن سينا جهراً إلى اللاتينية.
أين يعيش هذا اليوم
المراجع
- Burnett, Charles. "The Coherence of the Arabic-Latin Translation Program in Toledo in the Twelfth Century." Science in Context 14, nos. 1–2 (2001): 249–288. en
- d'Alverny, Marie-Thérèse. "Translations and Translators." In Robert L. Benson and Giles Constable, eds., Renaissance and Renewal in the Twelfth Century. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1982, pp. 421–462. en
- Vita Gerardi Cremonensis and Commemoratio librorum, compiled by Gerard's socii after his death in 1187. Critical edition of the Vita, Commemoratio librorum and Eulogium in Burnett, Science in Context 14 (2001), pp. 275–288. la primary
- Zieme, Stefan. "Gerard of Cremona's Latin translation of the Almagest and the revision of tables." Journal for the History of Astronomy 54, no. 1 (2023): 3–29. en
- Daniel of Morley. Philosophia (Liber de naturis inferiorum et superiorum). Edited by Gregor Maurach, Mittellateinisches Jahrbuch 14 (1979): 204–255. la primary
- Avendauth and Dominicus Gundissalinus, dedicatory prologue to Avicenna's Liber de anima. In Avicenna Latinus: Liber de anima seu sextus de naturalibus, edited by Simone Van Riet, introduction by Gérard Verbeke. Louvain: Peeters / Leiden: Brill, 1968–1972. la primary
- Freudenthal, Gad. "Abraham Ibn Daud, Avendauth, Dominicus Gundissalinus and Practical Mathematics in Mid-Twelfth Century Toledo." Aleph 16, no. 1 (2016): 61–106. en
- Hasse, Dag Nikolaus. Avicenna's De anima in the Latin West: The Formation of a Peripatetic Philosophy of the Soul, 1160–1300. London: The Warburg Institute, 2000. en
- Hasse, Dag Nikolaus. Success and Suppression: Arabic Sciences and Philosophy in the Renaissance. I Tatti Studies in Italian Renaissance History. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2016. en
- Hasse, Dag Nikolaus. "Influence of Arabic and Islamic Philosophy on the Latin West." Stanford Encyclopedia of Philosophy. First published 19 September 2008; substantive revision 3 December 2025. en
- Gutas, Dimitri. Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early ʿAbbāsid Society (2nd–4th/8th–10th centuries). London: Routledge, 1998. en
- Vernet, Juan. La cultura hispanoárabe en Oriente y Occidente. Ariel Historia 14. Barcelona: Editorial Ariel, 1978. es
- Büttgen, Philippe, Alain de Libera, Marwan Rashed and Irène Rosier-Catach, eds. Les Grecs, les Arabes et nous: Enquête sur l'islamophobie savante. Paris: Fayard, 2009. fr
- Gouguenheim, Sylvain. Aristote au Mont Saint-Michel: Les racines grecques de l'Europe chrétienne. Paris: Éditions du Seuil, 2008. fr
- González Palencia, Ángel. Los mozárabes de Toledo en los siglos XII y XIII. 4 vols. Madrid: Instituto de Valencia de Don Juan, 1926–1930. es primary
- Burman, Thomas E. Reading the Qur'ān in Latin Christendom, 1140–1560. Material Texts. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2007. en
- Thijssen, J. M. M. H. Censure and Heresy at the University of Paris, 1200–1400. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1998. en
- Grant, Edward, ed. A Source Book in Medieval Science. Source Books in the History of the Sciences. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1974. en
- Reilly, Bernard F. The Kingdom of León-Castilla under King Alfonso VI, 1065–1109. Princeton: Princeton University Press, 1988. en
- Wolff, Philippe. "The 1391 Pogrom in Spain: Social Crisis or Not?" Past & Present 50 (February 1971): 4–18. en
- Netanyahu, Benzion. The Origins of the Inquisition in Fifteenth Century Spain. New York: Random House, 1995. en