شراب ليلي صوفي بلغ مكة بحلول عام 1500 فأعاد تشكيل المدينة
خرجت القهوة من الغابة الإثيوبية نبتةً برية، ومن الزاوية الصوفية اليمنية عوناً على العبادة. وفي مكة والقاهرة وإسطنبول صارت مقهى: فضاءً عاماً جديداً حاكمه الفقهاء وأغلقه السلاطين وقلّدته أوروبا، وانتهى الطلب الذي ولّده إلى المزارع.
نحو عام 1500 بلغ مكةَ شرابٌ صوفي يمني. وفي عام 1511 أمر محتسب المدينة بإحراقه؛ وبحلول عام 1555 كانت في إسطنبول مقاهٍ، وفي عام 1633 صار شربه علناً فيها جريمة عقوبتها الإعدام.
قبل التحول: مدن بلا مقاهٍ
في عام 1450 لم يكن أمام رجل في القاهرة أو دمشق أو أدرنة، العاصمة العثمانية الجديدة، يطلب الأنس بعد حلول الظلام إلا أماكن قليلة يجده فيها. كان المسجد يُفتح لصلاة العشاء ويُغلق بعدها. وكان الحمّام العام مؤسسة نهارية تُخصَّص فيها ساعات منفصلة للنساء. وكانت السوق تُغلق عند الغروب، وتُسدّ شوارع معظم الأحياء ليلاً بالبوابات والحرّاس. وكان الخمر يُباع في حانات يديرها مسيحيون ويهود، يدخلها المسلمون مجازفين بالعقوبة الشرعية والوصمة الاجتماعية، وفي البلاد العثمانية كان شراب كثيف من الدخن المخمّر يُعرف بـالبوزة يُباع في دكاكين دأبت السلطات على إغلاقها بين حين وآخر لأنه هو الآخر كان يُسكر.114 وكان البيت هو الموضع المعتاد للضيافة، وكانت ضيافته تتدرج بحسب مقام المضيف. ولم يكن في المدينة الإسلامية — ولا في أوروبا اللاتينية كذلك — مكانٌ يستطيع فيه رجال من طبقات مختلفة أن يجلسوا بثمن فنجان، فيتحادثوا ويستمعوا إلى حكواتي ويلعبوا على رقعة ويبقوا حتى منتصف الليل دون أن يشربوا الخمر.1
وهذا الغياب هو مقياس الانتقال. فقد بنى رالف هاتوكس (Ralph Hattox)، الذي لا يزال كتابه القهوة والمقاهي (1985) المرجع المعتمد في تاريخ القرن الأول من عمر هذا الشراب، كتابَه على حجة مفادها أن المقهى كان مؤسسة جديدة حقاً في مجتمعات الشرق الأدنى، وأن معظم الجدل الذي أثارته القهوة كان في حقيقة الأمر جدلاً حول المكان الذي تُشرب فيه.1 وقبل القهوة كانت فئات الاجتماع العام على النحو الآتي:
- المسجد والزاوية الصوفية — اجتماع ديني ينظمه الطقس، مع بقاء الزاوية أو التكية مفتوحة ليلاً للأوراد والعبادات.
- الحانة — أنس يدور حول الخمر، محرّم على المسلمين شرعاً وموصوم اجتماعياً.
- دكان البوزة — صيغة أرخص وأخف من الحانة، تُحظر بين حين وآخر.
- الاستقبال في البيت — ضيافة تُقدَّم بحسب المقام، لضيوف مدعوّين.
- الشارع والسوق — مفتوحان للجميع، مغلقان ليلاً.
لم يكن في تلك القائمة شيء يجمع بين العلنية والصحو والسهر معاً. وفي غضون قرن من عام 1500 كانت القهوة قد صنعت مكاناً يجمع الثلاثة. ويسهل تبيّن هذا التحول في العاصمة التي ستمنح المقهى شكله الكلاسيكي. كانت إسطنبول في النصف الأول من القرن السادس عشر أكبر مدن أوروبا وغرب آسيا، أُعيد بناؤها حديثاً بعد فتح عام 1453 وأخذت تنمو بالهجرة من البلقان والأناضول. وكانت حياتها الاجتماعية تنتظم بحسب الحي (المحلة)، ولكل حي مسجده وإمامه وحرسه، وبحسب الطائفة الحرفية، ولكل طائفة معلّموها وأولياؤها الحماة وطقوسها. ويصف روبير مانتران (Robert Mantran)، مؤرخ إسطنبول في القرن السابع عشر، مدينةً كان الترفيه فيها خارج البيت إما دينياً، عبر تكايا الطرق الدرويشية، وإما مشبوهاً، عبر حانات غلطة على الضفة الأخرى من القرن الذهبي.11 وكانت بين الاثنين فجوة، ولهذه الفجوة ثمن: فالرجل المحترم الذي يريد محادثة أصدقائه كان عليه أن يقيم مأدبة عشاء، والمأدبة تكلّف أكثر بكثير مما يستطيع معظم الرجال إنفاقه مراراً.1112 وهذه التفصيلة الاقتصادية، التي دوّنها مؤرخ عثماني بعد قرن، هي المحور الذي ستدور عليه المؤسسة كلها.
الغابة التي نبتت فيها الشجرة
جاءت النبتة نفسها من الضفة الأخرى للبحر الأحمر. فالبن العربي (Coffea arabica) هجين طبيعي لنوعين ثنائيي الصيغة الصبغية، هما Coffea canephora وCoffea eugenioides، وتؤرخ الدراسة الجينومية التي نشرها ياركو سالويارفي (Jarkko Salojärvi) وزملاؤه في مجلة نيتشر جينيتكس عام 2024 التهجينَ المؤسِّس بما بين 350,000 و610,000 سنة مضت، في الغابات الجبلية لما يُعرف اليوم بجنوب غرب إثيوبيا.4 وقد نجا النوع هناك عبر اختناقات مناخية متكررة، ولهذا تحتفظ جماعاته البرية بمعظم ما لديه من تنوع وراثي ضئيل؛ أما الأصناف المزروعة التي حُملت إلى أرجاء العالم فليست إلا عينة ضيقة منه، يفصلها عن أسلافها البرية انقسام تحدده الدراسة نفسها بنحو 30,500 سنة مضت.4 ولهذا الضيق أهميته في التاريخ. فكل الأرابيكا المزروعة تجارياً تقريباً منذ القرن الثامن عشر فصاعداً تنحدر من حفنة من النباتات غادرت المدرجات اليمنية إلى مالابار وجاوة وأمستردام وباريس، ولهذا يفتقر المحصول إلى المقاومة أمام الأمراض التي تهدده اليوم — ولهذا أيضاً غدت الغابات الإثيوبية، بتنوعها البري، مورداً يعتمد عليه مربّو النباتات.421

انتظم حزام الغابات الممتد بين نهري أومو وجوجب منذ أواخر القرن الرابع عشر في مملكة كافا، التي حكمها ملك مقدّس من بونغا. وكان أهلها يمضغون الثمار ويستعملون الأوراق ويحمّصون الحبوب في الزبدة، وكانت جماعات الأورومو المجاورة تستعمل القهوة في وجبات طقسية؛ غير أن أياً من هذه الاستعمالات لم يُدوَّن كتابةً قبل القرن التاسع عشر، ولم يكن أي منها، بقدر ما تسمح به الأدلة، شراباً يومياً مغلياً على الطريقة اليمنية.56 ولم تصدّر المنطقة إلا قليلاً من القهوة قبل العصر الحديث. فقد وجد مريد ولدي أريغاي (Merid Wolde Aregay)، في مراجعته للأدلة في مجلة التاريخ الأفريقي عام 1988، أن القهوة كانت تخرج من إثيوبيا عبر ميناء زيلع بحلول عام 1690، وعلى الأرجح من مملكة إناريا الجنوبية الغربية في القرن الثامن عشر — أي بعد قرنين من غزو الشراب لجزيرة العرب ومصر.5
أسماء لشراب لم يوجد بعد
كانت الكلمة العربية التي سيحملها الشراب، القهوة، موجودة من قبل وتعني شيئاً آخر. فقد ذكرها اللغويون العرب في العصور الوسطى اسماً من أسماء الخمر، واشتقوها من فعل يعني فقدان الشهية: فالخمر، كما قالوا، تُقهي شاربها عن الطعام، أي تذهب برغبته فيه.17 وفي ملاحظة قصيرة نشرها آلان كاي (Alan Kaye) في مجلة الجمعية الشرقية الأمريكية (1986)، رأى أن الأرجح أن الجذر كان يعني «الداكن»، وأن الاسم انتقل إلى الشراب الجديد بسبب لونه وموضعه من المساء.7 وأياً كان الأمر، فقد جاء اسم الشراب من معجم المحرَّمات. أما الحبة فشيء مختلف: البن العربي، المقترض من الكلمة الإثيوبية بون، وهي لا تزال في الأمهرية بونا.7 أما الاشتقاق الشائع لكلمة كوفي الإنجليزية من اسم كافا فلا سند له في المصادر. فقد أعطت القهوة الكلمةَ التركية العثمانية قهوه، التي أعطت بدورها الإيطالية كافّيه والهولندية كوفيه والإنجليزية كوفي؛ والشبه بكافا محض مصادفة.7 أما قصة كالدي، راعي الماعز الإثيوبي الذي رقصت ماعزه بعد أن أكلت الثمار، فأسطورة طُبعت أول مرة في أوروبا في أواخر القرن السابع عشر، بعد وصول الشراب بزمن طويل.1 وما يحفظه السجل المكتوب في الواقع لا يبدأ في الغابة بل في ميناء يمني، في الجيل الذي سبق عام 1500.
الانتقال: من الزاوية الصوفية إلى مقهى تخته قلعة
كتب أقدمَ تاريخ متصل للقهوة في القاهرة نحو عام 1558 عبدُ القادر الجزيري، وهو فقيه وكاتب لدى المسؤولين الذين كانوا ينظمون قافلة الحج السنوية، في رسالة عنوانها عمدة الصفوة في حل القهوة.2 والرسالة مرافعة دفاعية بقدر ما هي تاريخ: فقد جمع الجزيري كل خبر استطاع العثور عليه عن منشأ الشراب، وكل فتوى صدرت في تحليله أو تحريمه، ليثبت أنه حلال. ووصلت نسخة منها إلى المكتبة الملكية الفرنسية، فنشر أنطوان غالان (Antoine Galland)، مترجم ألف ليلة وليلة، صيغة فرنسية منها عام 1699 بعنوان في أصل القهوة وتقدّمها؛ ومعظم ما عرفته أوروبا عن الأصول العربية للقهوة إنما عرفته من خلال ذلك الكتاب.3 ويسمّي خبر الجزيري الرجلَ الذي أدخل الشراب إلى الحياة الدينية في اليمن. فقد سافر جمال الدين محمد بن سعيد الذبحاني، العالم ومفتي عدن الذي توفي عام 1470 أو 1471، إلى الساحل الأفريقي عبر المضيق، فرأى أناساً يستعملون القهوة؛ ولما عاد إلى عدن مرض، فتذكّرها وطلبها، فوجد من خصائصها أنها تذهب بالتعب والفتور.12 فأدخلها إلى صوفية عدن، فاتخذوها لأورادهم الليلية. ويقرأ هاتوكس الخبر بتمحيص: فالنص العربي يقول إن الأفارقة «استعملوا» المادة، لا إنهم شربوها، وليس في النص ما يثبت أن الشراب المغلي نفسه اختراع أفريقي لا يمني.1
عدن وصلوات الليل
كان الصوفية الذين اتخذوا الشراب ينتمون قبل كل شيء إلى الطريقة الشاذلية، وكان الشراب يلبّي لديهم حاجة محددة. فقد كانت ممارستهم المركزية الذكر، أي ذكر الله الجماعي الإيقاعي، يؤدونه طوال الليل وكثيراً حتى الفجر. وكان شراب يُبقي الجسد يقظاً والذهن صافياً عوناً لهم على العبادة. وفي الزوايا اليمنية كان يُعدّ في إناء كبير، يغرف منه الشيخ أو أحد كبار المريدين ويُدار على الحلقة بينما تُتلى أسماء الله — وهو فعل جماعي كان يشبه، على نحو أقلق منتقديه، إدارة كأس الخمر.12
غير أن الذاكرة العثمانية حفظت مؤسساً آخر. فقد افتتح كاتب جلبي، الذي كتب في إسطنبول عام 1656، فصله القصير عن القهوة في ميزان الحق بتسمية مخترع شرب القهوة: الشيخ الشاذلي عمر، صاحب المخا، الذي كان يستعملها ليُبقي الرجال يقظين لصلواتهم.17 أما تقليد المخا نفسها فكان يكرّم وليّاً شاذلياً هو علي بن عمر الشاذلي بوصفه شفيعها ومؤسس الشراب، وغدت قهوة الميناء مقترنة باسمه.110 ولا تتفق الروايات على المؤسس، ولا يمكن التحقق من أي منها بوثيقة كُتبت في حياته. لكنها تتفق على الجوهر، وهو ما يهم التاريخ: كان الشراب يمنياً صوفياً ليلياً قبل أن يكون أي شيء آخر، وفهمه أوائل مستعمليه أداةً من أدوات العبادة. وسيُحتجّ عليه بهذا الأصل. فسيصف المنتقدون في مكة والقاهرة حلقات القهوة الصوفية بأنها صورة مقنّعة من مجالس الشراب التي حرّمها الشرع، وسيردّ المدافعون بأن شراباً يُبقي الرجال يقظين لذكر الله لا يمكن أن يكون كشراب يُنسيهم إياه.12
وبحلول نهاية القرن الخامس عشر كان الشراب قد خرج من الزوايا. فقد حمل الطلاب والتجار والحرفيون الذين كانوا يحضرون المجالس الصوفية العادةَ إلى بيوتهم ودكاكينهم، وبدأت المدرجات الجبلية في غرب اليمن تُزرع بالشجيرة. ويحدد ميشيل توشيرير (Michel Tuchscherer)، المؤرخ الأبرز لتجارة القهوة في البحر الأحمر، أقدم زراعة للبن في المناطق الجبلية من حراز وبني مطر، غرب صنعاء، حيث كان المحصول يُزرع على مدرجات تسقيها أمطار الجبال.8
المدرجات اليمنية وميناء المخا
وفي غضون قرن غدت المدرجات المشهدَ التجاري الوحيد للبن في العالم. كان المزارعون في المرتفعات الغربية يبيعون الثمار المجففة لتجار في الأسواق الداخلية؛ وكانت القوافل تنقلها نزولاً إلى ساحل البحر الأحمر؛ ومن الساحل كانت تمضي شمالاً بحراً إلى جدة، حيث يُعاد شحن معظمها إلى السويس ويُباع في القاهرة، مركز إعادة التوزيع الكبير في المتوسط العثماني.89 واحتل العثمانيون اليمن على مراحل منذ عام 1538، ثم خسروه أمام الأئمة الزيديين من البيت القاسمي عام 1635، وفي ظل الحكمين كليهما غدت القهوة أثمن صادرات المنطقة. وتبيّن نانسي أوم (Nancy Um)، في دراستها للبيوت التجارية في المخا، كيف صعد الميناء في ظل العثمانيين ثم اتجه بعد عام 1635 نحو المحيط الهندي، حيث كان التجار الكجراتيون والعرب والأرمن، ثم الهولنديون والإنجليز، يشترون القهوة بالفضة.10 وكانت التجارة كبيرة ومحددة المعالم. فقد جمع المجلد الجماعي الذي أشرف عليه توشيرير عن تجارة القهوة قبل المزارع الاستعمارية، والذي نشره المعهد الفرنسي للآثار الشرقية في القاهرة عام 2001، سجلات الجمارك العثمانية ووثائق المحاكم القاهرية وأرشيفات التجار، ليُظهر أن القهوة كانت قد أزاحت البهارات بحلول القرن السابع عشر بوصفها أربح البضائع العابرة للبحر الأحمر، وأن جماعة من كبار تجار القاهرة بنت ثرواتها عليها.9 وسيدوم الاحتكار اليمني حتى نهاية القرن السابع عشر.
| المرحلة | التواريخ التقريبية | ما حدث |
|---|---|---|
| الغابة الإثيوبية | قبل 1450 | البن العربي البري؛ استعمال الأوراق والثمار محلياً |
| عدن والزوايا الصوفية اليمنية | نحو 1450–1500 | اعتماد الشراب المغلي في الذكر الليلي (الذبحاني، ت. 1470/71) |
| مدرجات المرتفعات اليمنية | من نحو 1500 فصاعداً | أول مشهد زراعي للبن المزروع (حراز، بني مطر) |
| مكة والمدينة | بحلول نحو 1500؛ الحظر 1511 | أولى المقاهي العامة؛ أول تحريم |
| القاهرة | مطلع القرن السادس عشر؛ هجمات في ثلاثينياته | رواق الطلاب اليمنيين في الأزهر؛ مركز للتجارة |
| دمشق وحلب | النصف الأول من القرن السادس عشر | مقاهٍ في المدن الشامية |
| إسطنبول | أول ذكر 1539؛ المقاهي 1554–55 | مقهيا حكم وشمس في تخته قلعة |
| أوروبا | من 1573 (وصف) إلى ثمانينيات القرن السابع عشر | راوولف في حلب؛ أكسفورد ولندن وباريس وفيينا |
مكة، 1511: المحاكمة الأولى
بلغت القهوة مكة نحو سنة 905 للهجرة — 1500 للميلاد — وهناك واجهت للمرة الأولى سلطة عامة. كان الحجاج والطلاب والتجار يشربونها في البلد الحرام؛ وكانت جماعات صوفية تشربها في حرم المسجد نفسه أثناء أورادها الليلية؛ وفُتحت بيوت تبيعها للعامة، يجتمع فيها الرجال ويلعبون ويستمعون إلى الموسيقى.113 وفي يونيو 1511 عقد المحتسب في مكة، وهو ضابط مملوكي يُدعى خاير بك، مجلساً من الفقهاء والأطباء. فشهد شهود بأن الشراب يغيّر العقل، وشهد أطباء بأنه مضرّ بالبدن، وانتهى المجلس إلى أن المجالس التي يُقدَّم فيها تشبه مجالس شاربي الخمر.12 فحظر خاير بك بيع القهوة وشربها علناً. وصودر مخزونها وأُحرق في الشوارع، وضُرب باعتها وشاربوها.1 ثم رفع القرار إلى السلطان المملوكي في القاهرة، قانصوه الغوري، لإقراره — فلم ينل الإقرار. فقد أدان جواب السلطان، كما حفظه الجزيري، مفاسد تلك المجالس، لكنه امتنع عن إعلان الشراب نفسه حراماً، وانقسم فقهاء القاهرة أنفسهم.12 فسقط الحظر. وفي غضون سنوات قليلة عادت مقاهي مكة إلى فتح أبوابها.1
ورسمت الواقعة المكية النمط الذي سار عليه القرن التالي. فالحجج التي جُرّبت ضد القهوة في مكة، ثم في القاهرة وإسطنبول، انحصرت في أنواع قليلة، يعيد هاتوكس بناءها من ملف الجزيري ومن الفتاوى الباقية:12
| الحجة ضد القهوة | أساسها | مآلها |
|---|---|---|
| الإسكار | تحريم النبي كل مسكر | سقطت: لم يجد الفقهاء الذين جرّبوا الشراب فيه إسكاراً |
| الضرر البدني | الطب الجالينوسي القائم على الأخلاط، الذي صنّف القهوة باردة يابسة | محل خلاف: اختلف الأطباء ووصفها كثير منهم علاجاً |
| المادة المحترقة | فتوى بتحريم ما حُمّص حتى صار فحماً | هامشية؛ ردّ عليها فقهاء آخرون |
| مشابهة مجالس الخمر | دوران الفنجان من يد إلى يد في حلقة كما كانت تدور الكأس | باقية بلاغةً، ضعيفة فقهاً |
| الجلساء والمكان | القمار والموسيقى واللغو والفتنة | لم تُحسم قط؛ أساس كل حظر لاحق |
خسرت الحجتان الأوليان — إذ لم يكد فقيه يستطيع التمسك بأن القهوة تُسكر بعد أن يشربها بنفسه — أما الأخيرة، حجة المكان، فلم تزل قط.111 ولهذا فإن تاريخ القهوة في العالم الإسلامي هو في معظمه تاريخ المقهى: فقد كسب الشراب قضيته مبكراً، في حين ظلت القاعة التي يُباع فيها في قفص الاتهام قرنين من الزمن.
القاهرة ورواق اليمنيين
تلقّت القاهرة القهوة عبر الأزهر، الجامع والجامعة الكبرى، حيث كان الطلاب اليمنيون يقيمون في رواق خاص بهم ويشربون القهوة أثناء أورادهم كما كانوا يفعلون في بلادهم.1 ومن الطلاب انتشرت في المدينة، وبحلول ثلاثينيات القرن السادس عشر كانت القاهرة السوق الرئيسية للشراب وساحة معركته الكبرى. ففي عام 1534–35، بحسب الجزيري، أثارت خطب واعظ ضد القهوة جمعاً من العامة هاجم المقاهي وضرب من فيها من الرجال. فردّ قاضي قضاة المدينة بأن جمع العلماء في داره، وأمر بتقديم القهوة لهم، وراقبهم طوال السهرة؛ ولما لم يُعثر على أحد منهم سكران، سُمح للتجارة بأن تُستأنف.12
والمشهد معبّر. فلم تتقدم القهوة بقرار واحد، بل عبر سلسلة من المحاكمات المحلية، انتهت كل منها بإباحة الشراب ووضع المكان الذي يُشرب فيه موضع الريبة. ولما فتح العثمانيون مصر عام 1517 ورثوا الشراب والنزاع معاً، وبحلول منتصف القرن كانت المسألة الفقهية قد حُسمت عملياً لصالح الشراب؛ وما بقي كان مسألة نظام عام.1 ومن القاهرة وطرق الحج انتقل المقهى شمالاً إلى الشام. فكانت في دمشق وحلب مقاهٍ بحلول منتصف القرن السادس عشر، بلغت من السعة ما أبهر الزوار الأوروبيين، وسيحمل التجار الشاميون الذين أداروها المؤسسةَ إلى العاصمة العثمانية.111 وانتقل شرقاً أيضاً: إذ تسجّل الموسوعة الإيرانية (Encyclopaedia Iranica) وجود مقاهٍ في مدينتي قزوين وأصفهان الصفويتين بحلول عهد الشاه عباس الأول (1588–1629)، متجمعة حول الميدان الكبير في أصفهان وقرب المدارس، حيث غدت ملتقى للشعراء والفنانين ورجال الدولة.13 وبحلول عام 1600 امتدت المؤسسة من المرتفعات اليمنية إلى البلقان والهضبة الإيرانية.
إسطنبول، 1554–55: مقاهي تخته قلعة
عُرفت القهوة في إسطنبول قبل أن تُباع فيها. فقد عثر جمال كفادار (Cemal Kafadar)، في دراسته للترفيه والاجتماع الليلي في المدينة في مطلع العصر الحديث، على أقدم ذكر عثماني للقهوة في العاصمة في سجل يعود إلى عام 1539.14 أما المقهى العام فجاء لاحقاً، وقد سجّل وصوله المؤرخ العثماني إبراهيم بجوي (1574–1649)، الذي كتب في أربعينيات القرن السابع عشر نقلاً عن رواة أقدم. ففي ترجمة روبير مانتران الفرنسية يقول بجوي إن القهوة ظلت حتى سنة 962 للهجرة — 1554–55 — مجهولة «لا في العاصمة وحدها بل في الممالك العثمانية عموماً، ولم تكن ثمة مقاهٍ».1112 وفي تلك السنة قدم إلى إسطنبول رجلان من الشام، حكم الحلبي وشمس الدمشقي، ففتحا دكانين كبيرين في حي السوق المعروف بتخته قلعة، قرب القرن الذهبي، وأخذا يبيعان القهوة.1112 ووصف بجوي لما تلا ذلك هو أقدم رسم لملامح المؤسسة. فقد امتلأ الدكانان بأهل العلم والفراغ — شعراء، وقضاة بلا مناصب، ومدرّسون يطلبون الترقي، وعاطلون — يقرؤون ويلعبون الشطرنج والنرد وينشدون الشعر، ووجدوا أنهم يستطيعون بقطعة نقد أو اثنتين أن ينالوا متعة الصحبة التي كانت تقتضي من قبل نفقة مأدبة عشاء.1112 ويسجّل الباحث الإيراني السيد علي آل داود، في تلخيصه للمصادر العثمانية والفارسية لـالموسوعة الإيرانية، أن أول مقهى في إسطنبول «كان يرتاده عدد كبير من الأعيان والكتّاب والشعراء حتى عُرف باسم ‹مجمع العلماء›».13
ما الذي تغيّر وما الذي حلّ محله
تغيّر الشراب أقل مما تغيّرت القاعة. فالقهوة نفسها منبّه خفيف مرّ المذاق، كان معظم شاربيها الأوائل يتناولونها سوداء بلا سكر في فناجين صغيرة من الخزف أو الفخار. أما ما أدخلته إلى المدينة العثمانية فهو القهوه خانه، الدكان الذي لا علة لوجوده سوى الصحبة التي يبيعها. وبحلول نهاية القرن السادس عشر كانت المقاهي منتشرة في كل حي من أحياء إسطنبول والقاهرة ودمشق وحلب، من منشآت كبيرة ذات نوافير ومصاطب مرتفعة إلى أكشاك في زاوية من زوايا السوق؛ وفي غضون قرن آخر غدت، بعبارة أحمد يشار في المجلد التركي الذي حرّره عام 2009، فضاءات «للتنشئة الاجتماعية والسلطة»، تتحدث فيها المدينة عن حكامها.15
قاعة عامة جديدة
لم تكن الأنشطة التي احتضنها المقهى جديدة. الجديد أنها اجتمعت في مكان واحد، مفتوح لكل من يملك قطعة نقد تقريباً، وأنها امتدت إلى الليل. وتصف المصادر العثمانية والعربية والأوروبية:
- الحديث والأخبار — غدا المقهى المكان الذي تدور فيه الشائعات والإعلانات الرسمية والآراء السياسية، والذي تعرف منه الدولة ما تفكر فيه المدينة.115
- الحكاية والأداء — كان المدّاح، الحكواتي المحترف، يؤدي عروضه في المقاهي، وكذلك الموسيقيون، ثم لاحقاً لاعبو خيال الظل في مسرح قره كوز.14
- الألعاب — الشطرنج والنرد ولعبة المنقلة، وقد ارتاب فيها الفقهاء هي الأخرى.111
- القراءة والشعر — كان «مجمع العلماء» في تخته قلعة الطرف النخبوي من ثقافة قوامها الإنشاد والمباراة الأدبية.13
- حياة الطوائف والأحياء — كانت المقاهي تخدم حرفاً بعينها وأحياء بعينها، ثم في القرن السابع عشر فرقة الإنكشارية، التي صار جنودها يملكونها ويديرونها على نحو متزايد.15

ويرى كفادار أن أعمق تغيير وقع في استعمال الوقت. فقبل القهوة كانت الحياة الحضرية المحترمة تنتهي عند الغسق إلا للعبادة؛ وجعل المقهى المساءَ وقتاً للاجتماع الدنيوي، وجلب معه المصابيح والسهر المتأخر وقبولاً جديداً بالليل زمناً للترفيه.14 فالشراب الذي تناوله صوفية اليمن ليظلوا يقظين لله أبقى المدينة كلها يقظة لنفسها.
ما الذي أزاحه المقهى
اجتذبت المؤسسة روّادها من مؤسسات أقدم، ولم يسكت الخاسرون. إذ يسجّل بجوي شكوى المؤسسة الدينية مباشرة. ففي صيغة مانتران الفرنسية: «قال الأئمة والمؤذنون والمتعبدون المراؤون: ‹إن الناس يتهافتون على المقاهي، ولا يأتي أحد إلى المساجد›».1112 فقد نافس المقهى المسجدَ على ساعة المساء، ونافس الحانة ودكان البوزة على الزبائن الذين يطلبون الصحبة والشراب، ونافس البيت على الضيافة.
ويمكن تعداد صور هذه الإزاحة:
- فقدت الزاوية الصوفية احتكارها للشراب. فما كان عوناً تعبدياً يُتداول في حلقة صار سلعة تُباع بالفنجان. وظلت بعض الطرق الصوفية تستعمل القهوة في الذكر؛ أما معظم الشاربين فلم يروا زاوية قط.1
- فقدت الحانة جزءاً من وظيفتها. فقد قدّمت القهوة أنس كأس الخمر بلا وصمته الشرعية، وقارن الكتّاب العثمانيون والعرب مجالس القهوة بمجالس الخمر مراراً — أحياناً لإدانة القهوة، وأحياناً لمدحها بديلاً صاحياً.117
- فقد البيت سيطرته على الضيافة. فملاحظة بجوي أن قطعة نقد أو اثنتين صارت تشتري الصحبة التي كانت تقتضي من قبل مأدبة عشاء تصف تحولاً من الضيافة بحسب المقام إلى الاجتماع بالشراء.11
- فقدت السلطة الدينية حصة من المساء. كانت الشكوى من خلوّ المساجد سجالية، لكنها سجّلت تنافساً حقيقياً على الوقت والانتباه.1116
الفقه والطب والدولة
كسبت القهوة المعركة الفقهية فعلياً قبل عام 1600، وإن لم تُغلق رسمياً قط. فقد لخّص كاتب جلبي، أكثر العلماء العثمانيين أصالة في القرن السابع عشر، قرناً من الفتاوى عام 1656: حُرّمت القهوة، ثم أُبيحت، ثم حُرّمت ثانية؛ وأعلنها فقهاء حراماً لأنها تُحمّص حتى تصير فحماً، فردّ عليهم فقهاء آخرون؛ وظل الناس يشربونها.17 وكان موقفه هو موقفاً عملياً. فتحريم شيء اعتاده الناس، كما رأى، لا يورث إلا العصيان والاستخفاف بالقانون؛ والحكمة أن تُترك مثل هذه الأمور وشأنها.17 وفي الأثناء كتب الأطباء الجالينوسيون رسائل توازن بين طبيعة القهوة الباردة اليابسة ومنافعها، ووصفوها للبلغم والمعدة والرأس.1
أما مصلحة الدولة فكانت مختلفة. فقد فُرضت الضرائب على القهوة في كل مرحلة — في أسواق اليمن، وفي جدة والسويس، وفي جمارك القاهرة وإسطنبول — وكان المقهى مرخّصاً ومراقباً.915 ويُظهر المساهمون في مجلد توشيرير موظفين عثمانيين يجبون رسوماً على القهوة جعلت منها بنداً معتبراً في إيرادات مصر بحلول القرن السابع عشر.9 وكانت تجارة العاصمة نفسها منظمة في طوائف. فقد أحصى أوليا جلبي، في وصفه لطوائف إسطنبول في منتصف القرن السابع عشر، باعة القهوة في 55 دكاناً و100 عضو، وتجار القهوة بالجملة في 300 مخزن و500 عضو، من «كبار التجار»، لكل منهم شركاء في مصر وفي صنعاء باليمن — سلسلة من الائتمان والمراسلة تمتد على طول الطريق الذي قطعه الشراب.11 ولذلك كان السلطان الذي يغلق المقاهي يخسر المال كما يخسر المعلومات، وكذلك تخسر هيئة نافذة من التجار لها أصدقاء في البلاط. وقد نُقض كل تحريم صدر في القرنين السادس عشر والسابع عشر في نهاية المطاف بفعل هذا الاجتماع بين العادة والإيراد والمصلحة التجارية.915
إلى أوروبا
عرف الرحالة الأوروبيون المقهى في المدن العثمانية قبل أن يعرفوا الشراب في بلادهم. فقد نشر الطبيب وعالم النبات الألماني ليونهارت راوولف (Leonhard Rauwolf)، الذي كان في حلب عام 1573، أول وصف أوروبي لشرب القهوة في كتاب رحلته الصادر عام 1582. وفي الترجمة الإنجليزية لعام 1693 يصف «شراباً طيباً جداً يسمونه شاوبه، يكاد يكون أسود كالحبر، نافعاً جداً في المرض، ولا سيما أمراض المعدة»، كان أهل حلب يشربونه «في الصباح الباكر في الأماكن المكشوفة أمام الجميع، بلا خوف ولا تحرّج، في فناجين من الخزف الصيني، ساخناً قدر ما يحتملون، يرشفونه قليلاً قليلاً».18 وتشديد راوولف — العلنية، والبكور، وانعدام الحرج — هو بالضبط ما أدهش الأوروبي؛ إذ لم يكن له نظير في بلاده. ثم تبعت الحبوبُ التجار. فقد تداول تجار البندقية القهوة عبر صلاتهم في المشرق ومصر منذ مطلع القرن السابع عشر، واكتسب تجار شركة المشرق الإنجليزية (Levant Company) العادة في إزمير وحلب.19 وافتُتح أول مقهى إنجليزي في أكسفورد نحو عام 1650 على يد رجل يهودي يُعرف بيعقوب؛ وفي عام 1652 افتتح باسكوا روزيه (Pasqua Rosée)، خادم دانيال إدواردز تاجر شركة المشرق، كشكاً للقهوة في زقاق القديس ميخائيل المتفرع من كورنهيل في مدينة لندن، مع منشور يروّج لـ«فضيلة» الشراب.1920 أما في باريس فكانت اللحظة الحاسمة سفارة سليمان آغا من قبل محمد الرابع عام 1669، التي جعلت حفلات استقبالها القهوةَ موضة في البلاط، وكان أنطوان غالان، الذي سيترجم الجزيري لاحقاً، بين المستشرقين الذين وصفوا للقراء الفرنسيين التاريخ العربي للشراب.319
وكان المقهى الأوروبي الذي نشأ عن ذلك، في عقوده الأولى، عثمانياً عن وعي. فقد كان يبيع شراباً «تركياً»، كثيراً ما تحت لافتات رأس التركي؛ ووضع كتاب فيليب سيلفستر دوفور رسائل جديدة وطريفة في القهوة والشاي والشوكولاتة (ليون، 1685؛ الطبعة الثانية 1688) شاربَ قهوة عثمانياً معتمّاً في صدر صورته الأمامية، إلى جانب صيني يشرب الشاي وهندي أمريكي يحمل الشوكولاتة.23 وبحلول سبعينيات القرن السابع عشر كانت في لندن عشرات المقاهي، وقد اكتسبت السمعة نفسها التي كانت لها في إسطنبول. ففي 29 ديسمبر 1675 أصدر تشارلز الثاني إعلاناً بقمعها بوصفها أماكن تُنشر فيها الأخبار الكاذبة ويُشهَّر فيها بالحكومة؛ وأثار الأمر معارضة بلغت حداً أدى إلى سحبه في غضون أيام، قبل أن يدخل حيز التنفيذ.20 ويبيّن براين كوان (Brian Cowan)، الذي يُعدّ كتابه الحياة الاجتماعية للقهوة (2005) المرجع المعتمد في الحالة البريطانية، أن المقهى الإنجليزي نُظّم بالترخيص بدل أن يُقمع — وهي التسوية نفسها التي بلغها العثمانيون قبل قرن.20 وهذا التسلسل الزمني الأوروبي في خطوطه العريضة:
| السنة | المكان | الحدث |
|---|---|---|
| 1573 | حلب | ليونهارت راوولف يرى القهوة تُشرب علناً؛ نُشر الوصف عام 158218 |
| 1592 | البندقية | بروسبيرو ألبيني يصف شجرة البن في كتابه نباتات مصر19 |
| نحو 1650 | أكسفورد | أول مقهى إنجليزي، يديره يعقوب20 |
| 1652 | لندن | كشك القهوة لباسكوا روزيه في زقاق القديس ميخائيل، كورنهيل1920 |
| 1669 | باريس | سفارة سليمان آغا تجعل القهوة موضة في البلاط19 |
| 1675–76 | لندن | إعلان تشارلز الثاني ضد المقاهي، ثم سحبه20 |
| 1685 | فيينا | يوهانس ديوداتو ينال أول امتياز لتقديم القهوة19 |
| 1699 | باريس | صيغة غالان الفرنسية لرسالة الجزيري3 |
ويشدد ماركمان إليس (Markman Ellis)، في تاريخه الثقافي للمقهى (2004)، على سرعة تخلّي النسخة الأوروبية عن زيّها العثماني: ففي غضون جيل غدت مؤسسة لندنية أو باريسية أو فيينية، بصحفها ومزاداتها وتأمينها وهواة العلم في الجمعية الملكية، وتلاشى دينها لإسطنبول والقاهرة حتى لم يبقَ منه سوى عمامة على لافتة دكان.19 وكان النسيان نفسه جزءاً من الانتقال. فقد أخذت أوروبا القاعة والشراب وعادات الحديث وتداول الأخبار، ثم روت القصة كأن المقهى اختُرع في كورنهيل.
ما الثمن الذي دُفع
دُفعت فاتورة الانتقال في ثلاثة أماكن: في المدن التي دار فيها الصراع على المقهى، وفي المستعمرات التي اختارت أوروبا أن تزرع فيها الشراب الذي تعلّمت أن ترغب فيه، وفي الغابة التي نشأت فيها النبتة، والتي لم تجنِ شيئاً يُذكر.
الحظر والضرب وتحريم عام 1633
كان القمع على امتداد الطريق حقيقياً لكنه متقطع، وحجمه ضعيف التوثيق. ففي مكة عام 1511 أُحرقت القهوة وضُرب شاربوها.1 وفي القاهرة عام 1534–35 هاجم جمع من العامة المقاهي وروّادها.12 وفي إسطنبول قيّد سلاطين أواخر القرن السادس عشر المقاهي مراراً، فأغلقوها أو حدّوا من ساعات عملها كلما رُفعت إليهم التقارير بأنها بؤر للبطالة والفتنة، ثم أعادوا فتحها تحت ضغط الروّاد والإيراد.15 ولم تُسفر أي من هذه الوقائع عن حصيلة قتلى مسجلة. وجاء أشد التحريم في القرن السابع عشر، عند تقاطع السياسة والإحياء الديني. فقد شنّت حركة من الوعاظ يقودها قاضي زاده محمد (ت. 1635)، عُرف أتباعها بالقاضي زاديين، حملة في إسطنبول على ما سمّوه بدعاً — الموسيقى والرقص الصوفيين، وتعظيم أضرحة الأولياء، والتبغ والقهوة — ووجدت راعياً في السلطان الشاب مراد الرابع.16 وفي سبتمبر 1633 دمّر حريق جزءاً كبيراً من المدينة؛ وبحسب المؤرخ نعيما، الذي يستشهد به مانتران، عُبّر عن السخط الذي أعقبه بصوت عالٍ في المقاهي، فأصدر مراد الرابع مرسوماً يحظر القهوة والتبغ، «وهو أمر نُفّذ بصرامة».11
فهُدمت مقاهي العاصمة أو أُغلقت، وظلت مغلقة بقية عهد مراد وعهد خلفه إبراهيم، ولم يُعَد فتحها إلا في عهد محمد الرابع.11 وتصف روايات معاصرة ولاحقة، عثمانية وأوروبية، إعدام مخالفين — من المدخنين خصوصاً — وتروي أن السلطان كان يطوف الشوارع متنكراً. وتضع مادلين زلفي (Madeline Zilfi)، في دراستها لحركة القاضي زاديين، هذه التحريمات ضمن صراع امتد عقوداً بين الوعاظ الإحيائيين من جهة والمؤسسة الصوفية والعلمية من جهة أخرى، وكانت المقاهي من بين أهدافه.16 ولا يمكن إحصاء روايات الإعدام، أما أرقام عشرات الآلاف التي تتردد أحياناً في الكتابات الشعبية الحديثة فلا أساس وثائقياً لها. وما يمكن قوله هو أن شرب القهوة علناً في العاصمة العثمانية ظل سبع سنوات جريمة عقوبتها الإعدام.
الاحتكار وكسره
جاء الثمن الأكبر بعد أن بلغ الانتقال أوروبا، وجاء لأن أوروبا لم تكن تنوي الاستمرار في الشراء من المخا. فطوال القرن السابع عشر كانت شركتا الهند الشرقية الهولندية والإنجليزية تشتريان البن اليمني بالفضة في المخا وتدفعان رسوم الأئمة.10 وانتهى الاحتكار اليمني حين حصلت شركة الهند الشرقية الهولندية (VOC) على النباتات: فقد ضاعت في فيضان شتلات أرابيكا أُرسلت من ساحل مالابار إلى جاوة عام 1696، ثم نجت شحنة ثانية عام 1699 وزُرعت حول باتافيا؛ وبلغت أول قهوة جاوية أمستردام عام 1711.21
ولم تزرع الشركة القهوة بعمل أحرار. ففي مرتفعات بريانغان بغرب جاوة ألزمت الحكام المحليين بتسليم القهوة بأسعار ثابتة، وهو نظام للزراعة الإجبارية حمّله الحكام بدورهم لفلاحي مقاطعاتهم في صورة التزامات بالعمل والتسليم.21 ونقل الفرنسيون الأرابيكا إلى الكاريبي في عشرينيات القرن الثامن عشر، وبحلول أواخر ثمانينياته كانت مستعمرة سان دومينغ القائمة على الرق قد غدت أكبر مصدر منفرد للقهوة في العالم. وتبيّن دراسة ميشيل رولف ترويو (Michel-Rolph Trouillot) لطفرة القهوة في المستعمرة كيف ضاعف توسع ضياع البن في الجبال بين ستينيات القرن الثامن عشر وعام 1789 قوة العمل المستعبَدة، وأنشأ طبقة من مزارعي القهوة، كثير منهم من الملوّنين الأحرار، كان لموقعهم دور محوري في الثورة التي اندلعت عام 1791.22 وفي القرن التاسع عشر انتقل مركز الإنتاج العالمي إلى البرازيل، حيث زرع القهوةَ الأفارقةُ المستعبدون وأحفادهم حتى إلغاء الرق عام 1888.21
والفاتورة الكاملة لقهوة المزارع — في جاوة وسان دومينغ والبرازيل — أكبر من فاتورة الانتقال المسجلة هنا، وهي فاتورة يتقاسمها مع منظومة السكر التي استُعير منها نموذج المزرعة. غير أن الخط الواصل بين الزاوية الصوفية والمزرعة خط مباشر. فالطلب الذي أوجده المقهى العثماني، وقلّدته أوروبا، هو الطلب الذي بُنيت المزارع لتلبيته.
الأثمان باختصار:
- مكة، 1511 — مصادرة القهوة وإحراقها؛ وضرب الباعة والشاربين بموجب حظر المحتسب.1
- القاهرة، 1534–35 — عنف العامة ضد المقاهي إثر وعظ مناهض للقهوة.12
- إسطنبول، 1633–1640 — تحريم القهوة والتبغ؛ وهدم المقاهي؛ وإعدامات مروية يتعذر إحصاؤها.1116
- جاوة، منذ القرن الثامن عشر — زراعة وتسليم إجباريان فرضتهما الشركة الهولندية على فلاحي بريانغان عبر الحكام المحليين.21
- سان دومينغ، من عشرينيات القرن الثامن عشر إلى 1791 — ضياع بن يعمل فيها أفارقة مستعبدون، تتوسع بسرعة منذ ستينيات القرن.22
- البرازيل، القرن التاسع عشر — أكبر اقتصاد للقهوة في العالم، قام على عمل العبيد حتى عام 1888.21
ما الذي نالته إثيوبيا
تجاوزت التجارةُ التي أطلقتها الغابةُ المنتجة للنبتة تلك الغابةَ إلى حد بعيد. فطوال القرنين السادس عشر والسابع عشر جاءت قهوة العالم من المدرجات اليمنية لا من الغابات الإثيوبية، وعاملت المملكة الإثيوبية في المرتفعات الشرابَ بريبة. إذ انتهت الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية، في وقت ما قبل القرن الثامن عشر، إلى تحريم القهوة على المسيحيين بوصفها شراباً إسلامياً، وظل التحريم سارياً في المرتفعات المسيحية حتى أواخر القرن التاسع عشر.56 وتُظهر أدلة أريغاي حكاماً إثيوبيين يحاولون، في القرن السابع عشر ومطلع الثامن عشر، التربح من تصدير القهوة عبر زيلع والبحر الأحمر، كما تُظهر إخفاق محاولات أوروبية عامي 1705 و1737 لشراء القهوة من إثيوبيا مباشرة؛ وكانت مزارع جاوة والكاريبي قد جعلت المسعى حينئذ غير ضروري.5 ولما انتشر شرب القهوة أخيراً في المرتفعات المسيحية، كان ذلك بقدوة إمبراطور. فريتشارد بانكهرست (Richard Pankhurst)، في كتابه التاريخ الاقتصادي لإثيوبيا (1968)، يعزو الانتشار السريع للشراب بين عامي 1880 و1886 «إلى حد كبير» إلى «الإمبراطور منليك، الذي كان هو نفسه يشربها، وإلى الأبونا ماتيوس الذي بذل الكثير لتبديد اعتقاد رجال الدين بأنها شراب إسلامي».6
وغزت جيوش الإمبراطور نفسه مملكة كافا عام 1897 وضمّت غاباتها إلى الدولة الإثيوبية.6 ولم يبدأ التصدير التجاري الواسع للقهوة الإثيوبية إلا في القرن العشرين. وتعدّ البلاد اليوم القهوة صادرتها الأولى ومراسم القهوة مؤسسة وطنية؛ غير أن غابة المنشأ، طوال القرون الأربعة التي صنعت فيها القهوة الثروات في المخا والقاهرة وأمستردام وسان دومينغ، كانت المكان الوحيد على الطريق الذي لم يبلغه المال.
ما تلا ذلك
-
1511يعقد محتسب مكة خاير بك مجلساً من الفقهاء والأطباء، فيحظر بيع القهوة وشربها علناً، ويأمر بإحراق مخزونها وضرب شاربيها؛ غير أن السلطان المملوكي يمتنع عن إقرار الحظر فيسقط — وكانت تلك أولى محاكمات امتدت قرناً كاملاً.
-
1555يفتتح حكم الحلبي وشمس الدمشقي مقهيين في سوق تخته قلعة بإسطنبول؛ وفي غضون جيل واحد تنتشر «القهوه خانه» في كل حي من أحياء العاصمة العثمانية.
-
1633بعد حريق إسطنبول الكبير يحظر مراد الرابع القهوة والتبغ؛ فتُهدم مقاهي العاصمة أو تُغلق حتى عهد محمد الرابع، ويُعدم المخالفون.
-
1635بعد أن طرد الأئمة القاسميون العثمانيين من اليمن، اتجهت المخا نحو المحيط الهندي وغدت ميناء القهوة في العالم، يشتري فيه التجار الهنود والعرب والأرمن والهولنديون والإنجليز البن اليمني بالفضة.
-
1652يفتتح باسكوا روزيه كشكاً للقهوة في زقاق القديس ميخائيل بحي كورنهيل، فيكون أول مقهى في لندن؛ وفي غضون جيل تضم المدينة عشرات المقاهي، وتُخفق محاولة تشارلز الثاني قمعها عام 1675.
-
1699تزرع شركة الهند الشرقية الهولندية بن الأرابيكا القادم من مالابار حول باتافيا؛ فتبلغ قهوة جاوة أمستردام عام 1711، وينتهي احتكار اليمن، وتغدو القهوة في مرتفعات بريانغان محصولاً للتسليم الإجباري.
-
1789عشية الثورة تصبح مستعمرة سان دومينغ القائمة على الرق أكبر مصدر منفرد للقهوة في العالم، وتقوم ضياعها الجبلية على عمل الأفارقة المستعبدين.
-
1886ينتشر شرب القهوة سريعاً في المرتفعات المسيحية الإثيوبية بعد أن بدّد منليك والأبونا ماتيوس اعتقاد رجال الدين بأنها شراب إسلامي؛ وفي عام 1897 تغزو جيوش منليك مملكة كافا.
أين يعيش هذا اليوم
المراجع
- Hattox, Ralph S. Coffee and Coffeehouses: The Origins of a Social Beverage in the Medieval Near East. Seattle: University of Washington Press, 1985. en
- al-Jazīrī, ʿAbd al-Qādir ibn Muḥammad al-Anṣārī. ʿUmdat al-ṣafwa fī ḥill al-qahwa. Cairo, c. 1558. Partial edition in A. I. Silvestre de Sacy, Chrestomathie arabe, 2nd ed., vol. 2. Paris: Imprimerie royale, 1826. ar primary
- Galland, Antoine. De l'origine et du progrès du café: sur un manuscrit arabe de la Bibliothèque du Roy. 1699. Reprint, Paris: Éditions La Bibliothèque, 1992. fr primary
- Salojärvi, Jarkko, et al. "The genome and population genomics of allopolyploid Coffea arabica reveal the diversification history of modern coffee cultivars." Nature Genetics 56 (2024): 721–731. en
- Aregay, Merid W. "The Early History of Ethiopia's Coffee Trade and the Rise of Shawa." Journal of African History 29, no. 1 (1988): 19–25. en
- Pankhurst, Richard. Economic History of Ethiopia, 1800–1935. Addis Ababa: Haile Sellassie I University Press, 1968. en
- Kaye, Alan S. "The Etymology of 'Coffee': The Dark Brew." Journal of the American Oriental Society 106, no. 3 (1986): 557–558. en
- Tuchscherer, Michel. "Coffee in the Red Sea Area from the Sixteenth to the Nineteenth Century." In The Global Coffee Economy in Africa, Asia, and Latin America, 1500–1989, edited by William Gervase Clarence-Smith and Steven Topik, 50–66. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. en
- Tuchscherer, Michel, ed. Le commerce du café avant l'ère des plantations coloniales: espaces, réseaux, sociétés (XVe–XIXe siècle). Cahier des Annales islamologiques 20. Le Caire: Institut français d'archéologie orientale, 2001. fr
- Um, Nancy. The Merchant Houses of Mocha: Trade and Architecture in an Indian Ocean Port. Seattle: University of Washington Press, 2009. en
- Mantran, Robert. "Le café à Istanbul au XVIIe siècle." In Le café en Méditerranée: histoire, anthropologie, économie, XVIIIe–XXe siècle. Aix-en-Provence: Institut de recherches et d'études sur le monde arabe et musulman, 1980. fr
- Peçevî İbrahim Efendi. Târîh-i Peçevî. Written c. 1640s. 2 vols. İstanbul: Matbaa-i Âmire, 1864–1867 (1281–1283 AH). tr primary
- Al-e Dāwūd, Sayyed ʿAlī. "Coffeehouse." In Encyclopaedia Iranica, vol. VI, fasc. 1, 1–4. Costa Mesa: Mazda, 1992. en
- Kafadar, Cemal. "How Dark is the History of the Night, How Black the Story of Coffee, How Bitter the Tale of Love: The Changing Measure of Leisure and Pleasure in Early Modern Istanbul." In Medieval and Early Modern Performance in the Eastern Mediterranean, edited by Arzu Öztürkmen and Evelyn Birge Vitz. Late Medieval and Early Modern Studies 20. Turnhout: Brepols, 2014. en
- Yaşar, Ahmet, ed. Osmanlı Kahvehaneleri: Mekân, Sosyalleşme, İktidar. İstanbul: Kitap Yayınevi, 2009. tr
- Zilfi, Madeline C. "The Kadizadelis: Discordant Revivalism in Seventeenth-Century Istanbul." Journal of Near Eastern Studies 45, no. 4 (1986): 251–269. en
- Kâtib Çelebi. The Balance of Truth. Translated with an introduction and notes by G. L. Lewis. London: George Allen and Unwin, 1957. (Mîzânü'l-hakk fî ihtiyâri'l-ehakk, 1656.) en primary
- Rauwolf, Leonhard. Aigentliche beschreibung der Raiß inn die Morgenländer. Lauingen, 1582. English translation in John Ray, ed., A Collection of Curious Travels and Voyages. London, 1693. de primary
- Ellis, Markman. The Coffee-House: A Cultural History. London: Weidenfeld & Nicolson, 2004. en
- Cowan, Brian. The Social Life of Coffee: The Emergence of the British Coffeehouse. New Haven: Yale University Press, 2005. en
- Clarence-Smith, William Gervase, and Steven Topik, eds. The Global Coffee Economy in Africa, Asia, and Latin America, 1500–1989. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. en
- Trouillot, Michel-Rolph. "Motion in the System: Coffee, Color, and Slavery in Eighteenth-Century Saint-Domingue." Review (Fernand Braudel Center) 5, no. 3 (1982): 331–388. en
- Dufour, Philippe Sylvestre. Traitez nouveaux et curieux du café, du thé et du chocolate. Lyon, 1685; 2nd ed., Lyon: Jean-Baptiste Deville, 1688. fr primary