ما الذي جلبته الحروب الصليبية فعلاً إلى أوروبا (1099-1291)
سكّر وقطن ورماد نباتي سوري لأفران الزجاج ومستشفى: كانت حمولة العودة من قرنين من الاحتلال الفرنجي للشام تجارية لا فكرية. جاء العلم عبر طليطلة، والأرقام عبر بجاية، والمحاصيل عبر ثلاثة قرون من الزراعة الإسلامية سبقت كليرمون. أما ما سلّمته الحروب الصليبية حقاً فهو شهية ونظام تجاري — وفاتورة سُدِّدت في الراين سنة 1096، وفي القدس سنة 1099، وفي القسطنطينية سنة 1204، وبعد أربعمائة سنة في الأطلسي.
في سنة 1677 سجّلت وصية السير فيليب مَسجريف من إيدنهول في كمبرلاند كأس زجاج حفظتها أسرته أجيالاً وعدّها التقليد الإنجليزي غنيمة جلبها صليبي من الأرض المقدسة. هي صنعة سورية أو مصرية من نحو 1350 — نُفخت بعد سقوط آخر مدينة صليبية بنحو ستين سنة. لم تُنهب، بل اشتُريت. تلك الكأس هي حجّة هذا السجل كلها. بين 1095 و1291 أمسكت أوروبا اللاتينية شريطاً ساحلياً من الشام، وما عاد في طرق البحر لم يكن أرسطو ولا الجبر، وقد وصل كلاهما عبر طليطلة على يد علماء لم يطأوا المشرق قط. ما عاد هو السكّر والقطن الخام والرماد السوري لأفران مورانو ومستشفى يعمل ومؤسسة تجارية بندقية وجنوية دائمة في شرق المتوسط. لم تتعرّف أوروبا على المشرق بالحروب الصليبية. تعلّمت أن تشتهي، وذاك أغلى ثمناً.
قبل ذلك: أوروبا اللاتينية سنة 1095 والطرق التي كانت لديها أصلاً
في تشرين الثاني 1095، حين دعا أوربان الثاني إلى الصليب في كليرمون، كان محلّي الطعام في بيت موسر بشارتر أو كولونيا هو العسل، وظلّ كذلك منذ العصر الحجري الحديث. كانت تربية النحل أصلاً إقطاعياً يُقيَّد في سجلات الضياع؛ وكان شراب العسل مشروباً ذا وضع قانوني؛ والشمع يُعشَّر ويُتاجَر به. والأرجح أن أوروبياً لاتينياً في تلك السنة لم يذق قط سكّر القصب المتبلور، وإن ذاقه فقد بلغه من عطّار، بالأوقية، مسعَّراً ومصروفاً بوصفه دواءً 4. قميصه، إن كان له ثانٍ، كتّان؛ وعباءته صوف. أما القطن فكلمة قد يعرفها من الكتاب المقدس ونسيج يكاد يكون مؤكداً أنه لم يلبسه قط 6. وطبيبه، إن كان من الغنى بحيث يعول طبيباً، كان يعمل من تقليد لاتيني حوّلته سالرنو لتوّها بترجمات عن العربية أنجزها قسطنطين الإفريقي، وهو مغاربي مات راهباً في مونتي كاسينو نحو 1099 — أي في سنة فتح القدس نفسها، ومن غير أي صلة بها 8.
هذه التفصيلة الأخيرة هي مغزى هذا القسم كله، وعليها يقوم كل ما يليه. صورة أوروبا اللاتينية المغلقة الفاترة الفضول، المنتظرة أن يفتح لها الصليبيون نافذة على المشرق، صورة زائفة. كانت لأوروبا ثلاثة أبواب مشرعة، ولم يكن أي منها في فلسطين.
ويحسن كذلك أن نوضّح أيّ ضرب من المجتمعات كان يخوض الحملة، لأن الأسطورة تميل إلى تخيّل مجتمع فقير متأخّر ينقضّ على جار غني. غير أن دراسة جوناثان رايلي-سميث لطبقات أوائل الصليبيين وجدت شيئاً آخر تماماً: مشروعاً باهظاً طوعياً أرستقراطياً في معظمه، مُمَوَّلاً برهن الأرض وبيعها، أقدم عليه رجال من أسر راسخة في أكثر مناطق أوروبا اللاتينية حيوية، وفهموه حجّاً كفّارياً لا مغامرة استعمارية 2. كان القرن الحادي عشر في الغرب قرن توسّع: سكان يتزايدون، وأرض تُستصلح، ومدن تنهض، والنورمان يأخذون إنجلترا سنة 1066 وصقلية منذ 1061، والاسترداد يضغط جنوباً. كانت الحملة الأولى فعل مجتمع واثق لا مجتمع يائس. وإطار كريستوفر تايرمان هو المفيد هنا: تُفهم الحركة الصليبية مؤسسةً اجتماعية أوروبية ولّدتها السياسة الأوروبية وأدامتها، أفضل من فهمها روايةَ لقاء 1.
وهذا مهم للانتقال، لأن المجتمع الواثق المتوسّع يكتسب على نحو مختلف عن المجتمع الجائع. فهو لا ينسخ التقنيات التي تعوزه. بل يشتري ما يعجبه.
الأبواب التي كانت مفتوحة أصلاً
الباب الأول الأندلس. سقطت طليطلة بيد ألفونسو السادس سنة 1085 — قبل انطلاق الحملة الأولى بإحدى عشرة سنة — ومكتباتها العربية سليمة إلى حدّ بعيد، وصارت في جيلين ورشةَ أوروبا الرئيسة للترجمة العلمية. ويُنسب إلى جيرارد الكريموني وحده نحو سبعين نسخة لاتينية عن العربية، منها «المجسطي» لبطليموس. ويرى تشارلز برنيت أن ذلك كان برنامجاً متماسكاً لا شتاتَ مصادفات، بمنهج مشترك وحلقة مشتركة ومقرّر مقصود 16. ولم يكن أحد فيه قد خرج في حملة صليبية.
والباب الثاني صقلية وجنوب إيطاليا، الناطقتان بالعربية واليونانية تحت الحكم النورماني منذ 1091، حيث كلّف روجر الثاني الإدريسي بجغرافيته العالمية سنة 1154، وحيث جرت اللاتينية واليونانية والعربية جنباً إلى جنب في الديوان الملكي 1.
والباب الثالث التجارة، وهو أقدمها. فقد أقام تجار أمالفي في الإسكندرية الفاطمية وفي أنطاكية أجيالاً قبل 1095. وأهل أمالفي، لا الصليبيون، هم من أسّسوا نحو 1070 في القدس النُزُلَ الذي صار مستشفى القديس يوحنا 8. وكانت البندقية تتاجر مع بيزنطة بامتياز منذ 992، وتملك بموجب مرسوم 1082 حقوقاً تجارية في الإمبراطورية كلها لم تمنحها إياها أي حملة.
ما كان لدى الشام أصلاً، ومنذ ثلاثمائة سنة
لم يكن الصليبي الذي أطلّ من الجبل فوق أنطاكية سنة 1098 ينظر إلى أرض بكر. كان ينظر إلى الحصيلة الناجزة لما سمّاه أندرو واطسون الثورة الزراعية في العالم الإسلامي المبكر: انتشار قصب السكّر والقمح الصلب والأرز الآسيوي والذرة الرفيعة وقطن العالم القديم والنارنج والليمون والليم والموز، بين نحو 700 و1100، عبر الحزام كله من السند إلى الأطلسي، محمولاً على نظم ريّ جديدة ودورات زراعية متعددة 3. كان القصب ينمو في غور الأردن وسهل عكا وحول صور وصيدا وفي دلتا مصر قبل أن يراه أي فرنجي. وكان ينمو أيضاً في صقلية والأندلس، أي في الجوار المباشر للعالم اللاتيني المسيحي، وبعد 1091 داخله جزئياً.
ويتتبّع محمد الورفلي في إعادة بنائه لاقتصاد السكّر المتوسطي في العصر الوسيط هذه التقنية من الهند عبر العراق — حيث استعملت أولى المنشآت العمل الرقيق قبل أن تنتقل إلى المزارعة — ثم غرباً على الساحل السوري الفلسطيني، حيث يسّرت خبرة عصر الزيتون تبنّي المعاصر وبيوت الطبخ 4. وفي القرن الحادي عشر كانت الدولة الفاطمية تنتج السكّر بحجم جعله في متناول الطبقات الوسطى المصرية لا الأمراء وحدهم 4. أما مصانع طواحين السكّر قرب أريحا — قناة ومعصرة وبيت طاحون وفرن تكرير ومخزن — فكانت تعمل قبل وصول الفرنج، وتدلّ آثار أوعية السكّر هناك على إنتاج بحجم معتبر من القرن الحادي عشر إلى أواخر الرابع عشر 9.
فما الذي كان ينقص أوروبا اللاتينية بالضبط؟
لا الوصول ولا الفضول. ثلاثة أشياء، ويحسن تسميتها بدقة، لأنها ما وفّره القرنان التاليان:
- شهية. كان السكّر سنة 1095 في الغرب صنفاً من أصناف العطارة. لم يكن طعاماً، ولم تكن هناك سوق أوروبية لأنه لم تكن هناك عادة أوروبية.
- مؤسسة تجارية دائمة داخل شرق المتوسط. كان البنادقة والأمالفيون يتاجرون هناك؛ لكنهم لم يملكوا أحياء ومحاكم وأفراناً ودواوين جمرك في موانئ الشام يجلس فيها قناصلهم.
- ليف رخيص. كان لدى أوروبا الصوف والكتّان. أما صناعة النسيج الجماهيرية التي تتبّعتها مورين فينيل مازاوي في مدن شمال إيطاليا — أقمشة الفستيان بلُحمة قطن على سَداة كتّان، مصنوعة لمن لم يملك قط قميصاً ثانياً — فلم تكن قد بدأت بعد، لأن إمداد المادة الخام لم يكن قد وُجد 6.
هذه الغيابات الثلاثة هي الفراغ الذي ملأته الدول الصليبية. وهي أصغر من الأسطورة وأبعد أثراً مما تبدو.
الانتقال: قرنان من الأوترمير الفرنجي
سقطت القدس في 15 تموز 1099. وما تلا ذلك لم يكن حملة بل احتلالاً، والاحتلال هو آلية الانتقال. فطوال قرنين تقريباً — إلى سقوط عكا في 18 أيار 1291 — عاش عشرات الألوف من المسيحيين اللاتين إقامة دائمة على شريط ساحلي وداخلي من الشام طوله نحو خمسمائة كيلومتر ونادراً ما يتجاوز عمقه خمسين، يحكمون سكاناً أكثر عدداً بكثير من المسلمين ومسيحيي المشرق واليهود والسامريين 14.
لم يبنوا اقتصاداً. بل جبوه. لم يزرع السيّد الفرنجي في غور الأردن القصب؛ بل ورث الضيعة والقنوات والمعصرة وبيت الطبخ والفلاحين، وأخذ الغلّة. وقد سجّل ابن جبير، الحاج الأندلسي الذي عبر أرض الفرنج سنة 1184 عائداً من مكة، هذا الترتيب بنفور لم يستطع الثبات عليه إلى النهاية: فالفلاحون المسلمون في الجليل، كما يكتب، يؤدون جزية ونصف الغلّة ويُتركون فيما عدا ذلك، واضطر أن يروي أن «المسلمين يشكون جور صاحب لهم من أهل دينهم، ويثنون على سيرة خصمهم وعدوّهم من الإفرنج، وقد ألفوا منهم الإنصاف» 17. ثم أضاف فوراً أن تلك مصيبة على الإسلام وأنه لا ينبغي لمسلم أن يقيم تحت حكم الكفر. وشطرا هذا النص صحيحان، والسجل يحتاجهما معاً. ونقل الشطر الأول وحده — كما يفعل معجبو التسامح الصليبي منذ قرن ونصف — يحيل اعترافاً على مضض إلى مديح كان صاحبه سيرفضه.
من كان يعيش هناك فعلاً
يبقى إعادة بناء يشوع براور للمملكة اللاتينية أوفى وصف لهيئة ذلك المجتمع الاستيطاني، وهذه الهيئة تفسّر الشكل الذي اتخذه الانتقال 14. كان الفرنج أقلية رقيقة حضرية ساحلية تجلس فوق أكثرية ريفية لم يزيحوها. وكان تركيب الإقليم على هذا النحو تقريباً:
- الفرنج أنفسهم — ربما مائة وعشرون ألفاً في ذروة المملكة على أسخى التقديرات، متركّزين في مدن الساحل والحصون وقلّة من قرى الاستيطان المخطط، ولم يكفوا أنفسهم عسكرياً قط.
- الفلاحون المسلمون، وهم الأكثرية الزراعية في معظم الإقليم، يؤدون جزية وحصة من الغلّة، ويحتفظون بشيوخ قراهم، وفي مدن الساحل التي زارها ابن جبير بمساجدهم وأسواقهم 17.
- مسيحيو المشرق — الروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس والأرمن والموارنة والجورجيون — إخوة الفرنج في الدين اسماً ورعاياهم فعلاً، وكثيراً ما كان وضعهم تحت السلطة الكنسية اللاتينية أسوأ منه تحت الحكم الإسلامي.
- اليهود والسامريون، أُخرجوا من القدس بعد 1099 لكنهم حاضرون في عكا وصور وعسقلان، وموثّقون في مراسلات جنيزة القاهرة.
- الكوميونات الإيطالية، متمايزة قانوناً، مقيمة، تابعة لقناصل في البندقية وجنوة وبيزة لا للملك في عكا 7.
مجتمع بهذا التركيب لا يستوعب حضارة مجاورة. بل يجبي واحدة، ويتاجر مع أخرى، ويرسل الحصيلة إلى بلاده.
دُفع للإيطاليين مدناً
كانت كل عملية عسكرية فرنجية على ذلك الساحل تعتمد على الأساطيل الإيطالية، ولم يكن الإيطاليون يُدفع لهم فضة. كان يُدفع لهم عقاراً حضرياً وإعفاءً ضريبياً. فقد أعطى Pactum Warmundi سنة 1124 البندقية ثلث مدينة صور وثلث دخلها، وكنيسة وشارعاً ومخبزاً وحمّاماً ومحكمة خاصة بها في كل مدينة ملكية. وكانت لجنوة وبيزة جيوب مماثلة في عكا وأنطاكية وطرابلس ويافا 7.
هذه هي الآلية التي كان لها وزن، ويحسن التحديد في مكوّناتها:
- قنصل مقيم له ولاية على رعايا بلده، بحيث تُحسم المنازعات التجارية دون اللجوء إلى محكمة أجنبية.
- فندق — مخزن ونُزُل ودار حساب في مبنى واحد — تُخزَّن فيه البضائع بين إبحار الربيع وإبحار الخريف.
- كتّاب عدل، وسجلّاتهم الباقية (سجلات جنوة قبل غيرها) هي سبب معرفتنا بالأسعار.
- إعفاء من الجمارك الملكية، وهو ما حوّل رحلة طويلة خطرة إلى عمل مربح موثوق.
- قافلة سنوية منتظمة في الاتجاهين، مائتي سنة.
لم يكن شيء من ذلك موجوداً سنة 1090. وكان كله موجوداً سنة 1130، ولم يزل بضياع القدس سنة 1187؛ بل انتقل إلى عكا واستمرّ.

ما الذي كان يُحمَّل في العنابر
تعطي دراسات دافيد ياكوبي عن تجارة عكا أفضل صورة للحمولة المتجهة غرباً، وهي أشدّ عادية وأكثر إثارة للاهتمام من صورة قافلة التوابل 7. سكّر من سهل عكا وغور الأردن وضياع صور. وقطن خام يُشترى في البلاد بين عكا وطبرية. ورماد نباتي سوري ومصري — allume catino، القِلي الصودي الذي لا يقوم بغيره زجاج البندقية — كانت مورانو تستورده منذ 1285 على الأقل، وانتهى الأمر بتحريم استبداله في البندقية 7. وشبّ للصبّاغين. وحرير، شامي ومعاد الشحن. وتوابل وأصباغ تُشترى من الطرق المصرية والعراقية. وزجاج مطلي بالميناء ومذهّب من ورش سوريا. وخشب وحديد وصابون وجبن، تتحرك في الاتجاهين وفي كل تركيب.
وفي المقابل حملت العنابر المتجهة شرقاً ما تحتاجه دائماً حامية استعمارية: أقمشة أوروبية وسلاحاً وخيلاً وخشباً ورجالاً. وتبيّن إعادة بناء إلياهو أشتور لتجارة الشام في أواخر العصر الوسيط رسوخ هذا النمط: فقد جرى الميزان ضد أوروبا بالمعدن النفيس معظم الحقبة، وهو بالضبط ما يُتوقع من مجتمع اكتسب شهية لا يستطيع تلبيتها في داره 23.
المستشفى، وهو أوضح الحالات جميعاً
أسّس تجار أمالفي مستشفى القديس يوحنا نحو 1070، قبل الحملة الأولى، نُزُلاً للحجاج. وما صار إليه تحت الحكم الفرنجي هو أوثق الحالات توثيقاً لشيء استوعبه الفرنج في الشام ونقلوا صورته المؤسسية إلى أوروبا. ويبيّن تحليل بيرس ميتشل لنظام المستشفى في القرن الثاني عشر ابتعاداً حاسماً عن الصدقة الرهبانية الغربية نحو شيء هجين طبّي على نحو ظاهر: أطباء بأجر، وجولات صباحية ومسائية على العنابر، وجرّاحون، وفصّادون، ووصف غذائي، وقواعد مكتوبة، على نماذج بيزنطية وإسلامية، بحلول 1180 تقريباً 8.
وضع في مقابل ذلك أشهر ما في مذكرات أسامة بن منقذ — الطبيب الفرنجي الذي يقطع علاجاً ناجحاً بلَبْخة كان زميل مسلم يجريه لساق بها خُراج، ويطلب فارساً قوياً وفأساً حادة، ويسأل المريض: «أيّهما أحبّ إليك: أن تعيش برجل واحدة أم تموت باثنتين؟» 18. كان أسامة ساخراً يكتب في ثمانينيات القرن الثاني عشر لجمهور مسلم، والحكاية قطعة عرض لا مسحاً. لكن الأمرين متوافقان، وهما معاً يقولان شيئاً دقيقاً: كان الطب الفرنجي في الميدان فظاً، وكانت المؤسسة الفرنجية في القدس تُعاد بناؤها في الوقت نفسه على أفضل نموذج مشرقي متاح.
والرجال الذين عادوا
عاد معظم الصليبيين إلى ديارهم. هذه أقل الحقائق بريقاً وأهمّها في الانتقال. عادوا وقد أكلوا السكّر ولبسوا القطن وشربوا في زجاج سوري وناموا في بيت له صهريج ورأوا مستشفى يعمل. وقد التقط فوشيه الشارتري، وهو يكتب في القدس نحو 1124، صيغة المستوطن: «فنحن الذين كنّا مغاربة صرنا مشارقة. ومن كان رومياً أو فرنجياً قد جُعل في هذه الأرض جليلياً أو فلسطينياً. ومن كان من ريمس أو شارتر صار من أهل صور أو أنطاكية» 19.
أراد فوشيه بذلك مفاخرة بالاندماج. لكنه إذا قُرئ تقريراً عمّا نقلته الحروب الصليبية، فقراءته معكوساً أفضل: إن ما عبر المتوسط غرباً لم يكن تقنية ولا عقيدة، بل فكرة متبدّلة عمّا تحتويه الحياة المريحة.
ما الذي تغيّر في أوروبا — وما الذي أزاحه
السكّر يصير عادة
أكبر ما فعله الشام الصليبي بأوروبا هو إخراج السكّر من درج العطّار وإدخاله المطبخ. وتتبّع فصول الورفلي عن الاستهلاك هذا التحوّل عبر القرنين الثاني عشر والثالث عشر: يظهر السكّر في السجلات اللاتينية للحملة الأولى أعجوبة وعزاءً — فكلٌّ من فوشيه الشارتري ووليم الصوري يذكر صليبيين يمضغون القصب في حقول طرابلس والبارة — ثم يظهر في القرن التالي في حسابات البيوت ومجاميع الطبخ وقوائم تجار العطارة، مسعَّراً بالقالب لا بالأوقية 4.
لم يصر رخيصاً. صار مشتهى، والاشتهاء دام. وهذه هي الآلية التي بها تتحوّل حلقة استعمارية عمرها قرنان على ساحل ضيّق إلى حلقة عالمية بعد أربعمائة سنة. ورواية سيدني مينتز لما جرى بعد ذلك هي المعتمدة: فالسكّر «تخلّى في النهاية عن مكانه بوصفه ترفاً ونُدرة، وصار أول ضرورة غريبة تُنتَج على نطاق جماهيري لطبقة عاملة بروليتارية» 5. لم يفعل الشام الصليبي ذلك. بل خلق الطلب الذي سيُلبّى على ذلك النحو.
ومرّ الطريق من الدواء إلى الطعام باستعمالات متمايزة، والتسلسل جدير بالنظر لأن كل درجة منه وسّعت السوق:
- دواءً، وهو دوره الأوروبي الأول، في المعاجين والأشربة، حيث صنّفته النظرية الجالينوسية حاراً رطباً صالحاً لترقيق الأخلاط. وقالب العطّار هو رأس الجسر.
- حافظاً، في الفواكه المسكّرة والمربّيات وعجائن السفرجل التي تظهر في حسابات إيطالية وفرنسية من القرن الثالث عشر، وهو ما منحه في البيت مكاناً ما كان الطب وحده ليضمنه.
- بهاراً، يُنثر ويُضاف كالفلفل والقرفة لا يُذاب، وهكذا لا تزال معظم مجاميع الطبخ في القرن الرابع عشر تعامله.
- مادة زينة، في منحوتات السكّر والقطع المصبوبة التي كانت تجعل مائدة الوليمة فعل استعراض — استعمال كانت الكلفة فيه هي المقصد.
- محلّياً بالمعنى الدقيق، آخراً وأبطأ، مع هبوط الأسعار في القرن السادس عشر ووصول الإمداد الأطلسي.
وتعقّد شواهد الورفلي الصورة المألوفة في نقطة جديرة بالذكر: ففي ظل الفاطميين وإلى مطلع القرن الرابع عشر كان الإنتاج المصري من الكبر بحيث صار السكّر في متناول من هم دون مستوى الأمراء بكثير، وإنما الانكماش اللاحق في الإنتاج الشامي والمصري — وهو جزء من موضوع القسم الرابع في هذا السجل — هو الذي أعاد إليه صفة الترف في المتوسط في اللحظة نفسها التي كان الطلب الأوروبي يتصلّب فيها 4.
وما أزاحه السكّر في أوروبا يسهل التقليل منه:
- العسل، ومعه المنحل الإقطاعي بوصفه أصلاً اقتصادياً ذا شأن. لم تختف تربية النحل، لكنها فقدت احتكارها، وعبر القرون فقدت مكانتها.
- شراب العسل، الذي انحسر من مركز اقتصاد الشراب إلى الهوامش وإلى الحنين.
- شمع النحل، الذي كانت تلك المناحل نفسها تسند سعره جزئياً، والذي كان يهمّ الطقوس بقدر ما يهمّ الإضاءة.
- الفئة الطبية نفسها. فانتقال السكّر من دواء إلى غذاء أذاب تصنيفاً كان الطب الجالينوسي يأخذه مأخذ الجدّ، وخسر العطّارون احتكاراً لم يستردّوه.
القطن، وأول صناعة نسيج جماهيرية في أوروبا
التغيّر الكبير الثاني نسيجي، ولا يُروى بما يكفي. تؤرّخ دراسة مازاوي عن الصناعة القطنية الإيطالية لبداياتها في القرن الثاني عشر في مدن شمال إيطاليا — كريمونا وميلانو وفيرونا والبندقية — قائمة على قطن خام مستورد من الشام وعلى محاكاة الأقمشة الإسلامية 6. وكان منتجها المميّز الفستيان: لُحمة قطن على سَداة كتّان، رخيص متين مصنوع لمن لم يملك قبلاً قماشاً يُغسَل بكمية. كانت تلك أبكر صناعة قطنية واسعة النطاق في غرب أوروبا، وحجّة مازاوي أنها بدّلت على الدوام أنماط الذوق والاستهلاك في المجتمع الأوروبي، لا خزائن الثياب وحدها 6.
وسلسلة الإمداد هي السلسلة الصليبية. كان البنادقة يشترون القطن الخام في بلاد عكا وطبرية ما بقيت المملكة، وظلوا يشترونه من سوريا المملوكية بعدها 7. وعبرت الصناعة الناشئة الألب نحو 1300 وأعالت مدن جنوب ألمانيا — أولم وأوغسبورغ — قرنين.
وما أزاحه القطن أقل بداهة مما أزاحه السكّر وأعمق أثراً اجتماعياً. لم يحلّ الفستيان محلّ الصوف في أعلى السوق؛ بل لم يحلّ محلّ شيء، بمعنى أنه كسا من كان يملك ثوباً واحداً يلبسه حتى يبلى. وأزاح كذلك القنّب والكتّان الخشن في أسفل السوق، وسحب عملاً من تعطين الكتان الريفي، ولأن نسيج القطن يُغسل مراراً دون أن يتلبّد فقد غيّر بهدوء معايير الغسل المنزلي والملابس الداخلية في أوروبا. وحين تكتب مازاوي إن الصناعة «بدّلت على الدوام أنماط الذوق والاستهلاك في المجتمع الأوروبي» فليست تلك زخرفة بل نتيجة 6. والتنظيم مهمّ أيضاً: جرت صناعة الفستيان اللومباردية بنظام التوزيع المنزلي ورجال الأعمال في المدن ولوائح الطوائف الحرفية، وتمرّنت في نطاق صغير على الترتيبات التي استعملتها الرأسمالية النسيجية الأوروبية خمسمائة سنة.
الزجاج، والتبعية العارضة
زجاج البندقية أنصع ما يوضّح كيف عمل الانتقال فعلاً، لأن ما عبر لم يكن مهارة بل مادة خاماً ومعياراً. وتبيّن أعمال ياكوبي عن الصناعة البندقية بين 1220 و1350 أن نهوض مورانو قام على الرماد النباتي الشامي، المستورد من سوريا ومصر منذ 1285 على الأقل والمفضَّل لارتفاع نسبة الكربون فيه، وهو ما جعل الرماد السوري أشدّ سواداً وأجود 7. وانتهت دولة البندقية إلى تحريم البدائل تحريماً تاماً. أعطت القطع الزجاجية الشامية والبيزنطية المتداولة في إيطاليا النماذج؛ وأعطى الرماد الشامي الكيمياء. أما الزجاج نفسه فبندقي.
هذه هيئة معظم هذا الانتقال. فما كان يعبر المتوسط نادراً ما كان سراً. كان في الغالب مورّداً.
الكلمات، وما تثبته حقاً
المفردات المقترضة هي الدليل الأكثر استشهاداً به على انتقال صليبي، وهي الدليل الأحوج إلى الفرز. لقد دخلت كلمات عربية اللغات الأوروبية بأعداد كبيرة بين 1100 و1400. لكن قليلاً جداً منها جاء عبر الأوترمير.
| الكلمة | الأصل العربي أو الفارسي | الطريق الرئيس إلى أوروبا اللاتينية |
|---|---|---|
| سكّر (zucchero, sucre) | sukkar | صقلية وتجارة الشام، القرن الثاني عشر — جزئياً هذا الانتقال فعلاً |
| دمقس، شاش، موسلين | دمشق، غزة، الموصل | تجارة الشام عبر الأحياء الإيطالية — هذا الانتقال |
| جبر، خوارزمية، صفر، سمت، نظير | al-jabr، الخوارزمي، sifr، samt، nazir | طليطلة والأندلس، ترجمات لاتينية، القرن الثاني عشر — ليس هذا الانتقال |
| أميرال، ترسانة، تعريفة، مخزن | amir al-، dar al-sina'a، ta'rifa، makhazin | صقلية وجنوة وغرب المتوسط — في معظمه ليس هذا الانتقال |
| كحول، قلي، إكسير، إنبيق | al-kuhl، al-qali، al-iksir، al-inbiq | ترجمات الكيمياء عن العربية في إسبانيا — ليس هذا الانتقال |
| برقوق، ليمون، نارنج، زعفران | al-barquq، laymun، naranj، za'faran | الزراعة الإسلامية المتوسطية عبر صقلية وإسبانيا، قبل 1095 — ليس هذا الانتقال |
عمودان من هذا الجدول هما حجّة السجل. فكلمات النسيج والسلع، التي سافرت في بيانات شحن السفن عبر عكا وصور، انتقالات من العصر الصليبي. أما المفردات العلمية والرياضية، وهي ما تعنيه الأسطورة حقاً، فجاءت عبر طليطلة في ترجمات لاتينية أنجزها رجال لم يذهبوا شرقاً قط 16.
ما لم يأت من هذا الطريق
يحسن ذكر النفي صراحةً، لأن الجانب الإيجابي يزداد قوة بعده.
- العلم اليوناني والعربي لم يأت عبر الدول الصليبية. فقد بلغ أرسطو وإقليدس وبطليموس وجالينوس وابن سينا وابن رشد أوروبا اللاتينية بأغلبية ساحقة عبر طليطلة وباليرمو، عن العربية، بين أربعينيات وتسعينيات القرن الثاني عشر 16. ولم تنتج الدول الصليبية تقريباً أي ترجمة ولا أي عالم ذي شأن.
- الأرقام الهندية العربية لم تأت عبر الدول الصليبية. فقد تعلّمها ليوناردو البيزي في بجاية بشمال إفريقيا حيث كان أبوه موظف جمارك، ونشر Liber abaci في بيزة سنة 1202.
- الورق لم يأت عبر الدول الصليبية. فطريقه الأوروبي يمرّ بإسبانيا الإسلامية — كانت شاطبة تنتج الورق في القرن الثاني عشر — وبصقلية.
- تصميم القلاع موضع خلاف، والأرجح أنه لم يأت من هنا أيضاً. فالدعوى القديمة بأن التحصين المتحد المركز تُعلِّم في الأوترمير عن نماذج بيزنطية وإسلامية تعرّضت لهجوم متصل من روني إلينبلوم؛ إذ يرى أن قلاع الصليبيين تُفسَّر بأنماط الاستيطان والسيادة أحسن من تفسيرها بهندسة عسكرية مقترضة، وأن أطروحة التأثير المشرقي مدينة لافتراضات القرن التاسع عشر أكثر مما هي مدينة للمباني 15.
- الصابون والتقطير والطاحونة الهوائية لكل منها طرقه، وليس أيّ من طرقها الرئيسة شامياً صليبياً.
كم كلّف ذلك، ومن دفع
سُدِّدت الفاتورة الأولى في بلاد الراين، قبل أن يبلغ أحد الشام
في ربيع 1096، قبل أشهر من دخول أي جيش صليبي الأناضول، انقضّت عصابات مرتبطة بالكونت إميخو الفلونهايمي على الجماعات اليهودية على الراين. قُتل اثنا عشر يهودياً في شپاير في 3 أيار، حيث صمدت حماية الأسقف يوهان في جملتها. وفي فورمس في 18 أيار اقتحم الصليبيون قصر الأسقف نفسه، حيث لجأت الجماعة، وقتلوا من فيه؛ ومات هناك ثمانمائة على الأقل. وفي ماينتس — أكبر الجماعات اليهودية وأعلمها في شمال أوروبا — كان الإبادة تامّاً عملياً، ثم تلتها كولونيا وترير وميتز. والتقدير الحديث المعتاد للربيع كله نحو ألفين إلى ثلاثة آلاف قتيل 11.
والشهادة على ذلك ليست مسيحية. إنها السجلات العبرية — سليمان بن شمعون، وإليعازر بن ناتان، ومجهول ماينتس — كُتبت في العقود التالية وترجمها شلومو أيدلبرغ 20. وهي تسجّل القتل والتعميد القسري وأفعال قدّوش هشِم، حيث قتل آباء أبناءهم ثم أنفسهم بدل أن يُعمَّدوا. ويقرأ روبرت حازان تلك النصوص على أن 1096 لم تكن تشنّجاً عارضاً بل تثبيتاً لقالب: دعوة إلى حملة، ولاهوت شعبي للثأر، وجماعة يهودية محلية هدفاً متاحاً 11.
مات أول من قُتلوا من أجل الحملة الأولى على بعد ألف ومائة ميل من القدس، على أيدي رجال لم يبلغوها قط.
وقد عاش ذلك القالب بعد الحروب الصليبية. فقد أنتجت الحملة الثانية الهجمات نفسها سنة 1146 — هذه المرة مع تدخّل برنار الكليرفوي علناً لوقفها، وهو ما يخبرنا في آن أن الخطر كان مفهوماً سلفاً وأنه تكرّر رغم ذلك. وأنتجت الثالثة مذبحة يورك في آذار 1190، حيث هلكت جماعة المدينة اليهودية في برج كليفورد، كثيرون منهم بأيديهم، بينما كانت سندات دائنيهم تُحرق في الكاتدرائية. ولعلّ أدوم أثر أوروبي للحملة الأولى هو هذا: تثبيت اللحظة الصليبية مناسبةً يصير فيها قتل اليهود أمراً قابلاً للتفكير محلياً، ونقل ذلك النمط من الراين إلى إنجلترا وفرنسا والإمبراطورية في القرن التالي.
وثمة سمتان في 1096 ينبغي قولهما صراحة، لأنهما تُلطَّفان عادة. الأولى أن الهرمية الكنسية كانت في الجانب الآخر إلى حدّ بعيد: فقد حاول أساقفة شپاير وفورمس وماينتس وكولونيا، بشجاعة متفاوتة وبلا نجاح خارج شپاير، إيواء جماعاتهم اليهودية، وفي فورمس وماينتس اقتحم الصليبيون أملاكاً أسقفية للوصول إليهم. لم يكن القتل سياسة كنسية؛ بل كان لاهوتاً صليبياً شعبياً سبق المؤسسة التي دعت إليه. والثانية أن له بعداً اقتصادياً لا تخفيه المصادر: فالديون للمقرضين اليهود كانت تسقط بموتهم، وقد ابتزّت عصابات إميخو مدفوعات من جماعة كولونيا قبل أن تمضي 11. كان لا بدّ من تمويل الحملة، وكان هذا أحد سبل تمويلها.
معرة النعمان والقدس
أخذت الجيوش الصليبية معرة النعمان في 11 و12 كانون الأول 1098 وقتلت معظم أهلها. وما جعل الحادثة شنيعة الذكر أن المؤرخين اللاتين أنفسهم — رودولف الكاني، وألبرت الآخني، ومؤلف Gesta Francorum المجهول — سجّلوا أن صليبيين جائعين أكلوا هناك لحوم الموتى 25. الخبر من جهة الفاعلين، في أدبهم التذكاري، والبحث الحديث يعدّ هذه الروايات صادقة في جوهرها لا دعاية عدوّ 1213.
أما القدس في 15 تموز 1099 فهي الحادثة التي يعرفها الجميع، والأرقام تقتضي حذراً. فالمعطيات الوسيطة خطابية من الجانبين: يذكر فوشيه الشارتري عشرة آلاف قتيل في حرم الهيكل وحده 19؛ وتذكر روايات عربية سبعين ألفاً. ويتتبّع مسح بنيامين كيدار لكيفية معالجة المؤرخين الغربيين للمذبحة قرنين من التضخيم والتبرير بالتناوب، والمدى الحديث القابل للدفاع نحو ثلاثة آلاف إلى عشرة آلاف قتيل من سكان قبل الحصار بين عشرين وثلاثين ألفاً، وقد غادر كثير منهم 10. وأُحرق الكنيس الأكبر بمن فيه، وهو ما تسجّله المصادر المسيحية والعربية معاً. وتقدّم Gesta Francorum الجملة التي عملت منذئذ أكثر من غيرها: في الهيكل ورواق سليمان، كتب مؤلفها، كان الرجال يركبون في الدم إلى الأعنّة 25.
وملاحظة كارول هيلنبراند عمّا تلا هي التي ينبغي الإمساك بها: دخلت المذبحة الذاكرة الإسلامية بوصفها الواقعة المحدِّدة لقدوم الفرنج، وصاغت الردّ قرنين، وتلك كلفة دُفعت بعملة لا تظهر في أي دفتر حساب 12.
1204: الغنيمة التي لا تزال معروضة
لم تبلغ الحملة الرابعة الشام أصلاً. فقد صرفها الدَّين للبندقية وسياسة الأسر البيزنطية، فاقتحمت القسطنطينية ونهبتها من 12 إلى 15 نيسان 1204 22. وتلا ذلك أكبر نقل منفرد للفن المقدّس والذخائر والمعدن النفيس في تاريخ أوروبا الوسيط: كنائس جُرِّدت، وبرونز صُهر نقوداً، وألف سنة من الكنز المتراكم تبدّدت غرباً. وانتهى إكليل الشوك إلى باريس حيث بنى لويس التاسع السانت شابيل ليضمّه. ومضت خيول البرونز الأربعة من الميدان إلى البندقية وإلى واجهة سان مركو، حيث تقف اليوم نسخ وتُحفظ الأصول في الداخل 22.
ورأى نيكيتاس خونياتيس ذلك وكتب الجملة التي لم يزحزحها أي اعتذار لاحق: حتى السراقنة، قال، رحماء لطفاء بالقياس إلى هؤلاء الرجال الذين يحملون صليب المسيح على أكتافهم 21.

هذا هو الانتقال في أشدّ صوره حرفية. وحين يسأل الأطلس ما الذي حملته الحروب الصليبية إلى الديار، فأول جواب أمين هو: محتويات القسطنطينية، وهي لا تزال هناك.
الطرف الشامي، وتدمير الشيء نفسه
أنهت سلطنة المماليك الدول الصليبية في جيل واحد. أخذ بيبرس أنطاكية في أيار 1268 ولم تتعافَ المدينة قط؛ وبلغ القتل والاسترقاق فيها حجماً يصنّفه بعض المؤرخين أسوأ حادثة منفردة في العصر الصليبي كله 1. واستمرّ تقليص الساحل في عهد قلاوون والأشرف خليل، وسقطت عكا في 18 أيار 1291. ثم هدمت السياسة المملوكية موانئ الساحل عمداً لحرمان أي إنزال فرنجي مقبل منها.
وقد دمّرت تلك السياسة الاقتصاد نفسه الذي يدور حوله هذا السجل. ضياع السكّر في غور الأردن وسهل عكا، وبلاد القطن خلف طبرية، وورش الزجاج في صور: تلك القاعدة الإنتاجية التي ملأت العنابر الإيطالية قرنين خرّبتها الحرب التي أنهت الاحتلال 49.
طريق السكّر لم ينتهِ في قبرص
انتقلت الصناعة. أخذتها قبرص اللوزنيانية — ضياع ملكية في كوكليا وستافروس، والإسبتارية في كولوسي، وأسرة كورنارو البندقية في إبيسكوبي بعد نقل عملها من عكا سنة 1367. وقد كشفت حفريات ماري-لويز فون فارتبورغ في كوكليا-ستافروس بين 1980 و1991 منشآت الطحن والتكرير بتفصيل كافٍ حتى صار ممكناً، كما تكتب، «أن نفهم لأول مرة فهماً وافياً كيف كانت مصافي قصب السكّر الشامية تعمل فعلاً»، وحتى فتحت مسألة «انتقال طرائق إنتاج السكّر وتقنيته من بلاد الإسلام إلى غرب المتوسط، ثم أخيراً إلى الأمريكتين» 9.
وهذه السلسلة أطول نتائج السجل، وينبغي ذكرها ومفاصلها ظاهرة:
| التاريخ | المكان | ما حدث |
|---|---|---|
| نحو 700-1000 | مصر وسوريا وصقلية والأندلس | استقرار القصب ومعالجته تحت الحكم الإسلامي، قبل أي حملة صليبية بزمن طويل 3 |
| 1099-1291 | غور الأردن وسهل عكا وصور | الضياع الفرنجية تأخذ الغلّة؛ والأحياء الإيطالية تشحن المنتج غرباً 47 |
| 1291-نحو 1500 | قبرص: كوكليا وكولوسي وإبيسكوبي | تاج اللوزنيان والإسبتارية وآل كورنارو البنادقة يديرون أكبر الضياع 9 |
| أواخر القرن 14 | صقلية، حول باليرمو | مزارع تصدير بأيدي النبالة الإقطاعية ووجهاء المدن 4 |
| القرن 15 | بلنسية | خبرة منقولة من باليرمو؛ وبرشلونيون تدرّبوا في صقلية 424 |
| منذ 1455 | ماديرا | مزارع برتغالية بتمويل جنوي وفنّيين من سلسلة غرب المتوسط 4 |
| منذ تسعينيات القرن 15 | الكناري وساو تومي | تُركَّب الصيغة بعمل إفريقي مستعبَد 5 |
| القرن 16 | هسپانيولا والبرازيل | مركّب المزرعة الأطلسي 5 |
هنا تصير الأمانة أشقّ ما تكون، لأن الجملة المُرضية متاحة وهي زائفة. ليس صحيحاً أن الحروب الصليبية اخترعت مزرعة الرقيق. فخلاصة الورفلي المركزية، على شواهد من مصر وصقلية وبلنسية والمغرب، تسير في الاتجاه المضادّ: عُمل السكّر المتوسطي الوسيط في معظمه بعمل مأجور ومزارعة، ويظهر العمل غير الحرّ استثناءً لا قاعدة. وكما تلخّص كاثرين رييرسون استنتاجه: «في قبرص مطلع القرن الخامس عشر وحدها استُخدم أسرى مسلمون، أخذهم القراصنة، عمالةً غير حرّة» 244. لقد أشحّ الطاعون الأسود اليد العاملة القبرصية فمدّت الضياع يدها إلى الأسرى؛ والصلة حقيقية، وهي ضيّقة.
أما الذي مرّره الشام الصليبي فعلاً فهو طلب لم يعد يزول، وصيغة ضيعة ومصفاة يمكن رفعها ونقلها، وسلسلة خبرة فنية صعدت غرباً جزيرة بعد جزيرة. أما مزرعة الرقيق فرُكِّبت في الطرف الأطلسي، من رأس مال برتغالي وجنوي وأسرى أفارقة وجزر الكناري وساو تومي، واستعملت هذه المواد بين غيرها. تلك جملة صادقة وهي أطول من الزائفة. والأطلس يفضّلها.
الحساب
إذن: ما الذي حملته الحروب الصليبية إلى الديار؟ ذوقاً دائماً للسكّر، استُحقّت فاتورته في الأطلسي بعد أربعة قرون ودفعها أناس لم يسمعوا قط بأوربان الثاني. وصناعة قطن كست أوروبا وعاشت بعد سلسلة إمدادها. وتبعية للرماد السوري جعلت زجاج البندقية ممكناً. ونموذجاً للمستشفى. وسيادة تجارية للبندقية وجنوة دامت حتى وجد البرتغاليون رأس الرجاء. وربما ثلاث دزينات من الكلمات. وخيول البرونز.
وفي المقابل: جماعات الراين سنة 1096، والمعرة، والقدس، وقرنان من الحرب على ساحل دمّرته نهايتها، والقسطنطينية، وسابقة لمذبحة دينية داخل أوروبا لم تزل تماماً قط.
وللأطلس عادة أن يسأل من دفع وبأي عملة، والجواب هنا مائل على نحو نادر. فلم ينل أحد تقريباً ممن دفعوا شيئاً. لم تكن جماعات الراين اليهودية طرفاً في تجارة السكّر. ولم يستطب فلاحو غور الأردن الفستيان. ونهب أهلَ القسطنطينية جيشٌ خرج إلى مصر. وفي الأثناء كان المستفيدون — البيوت البندقية والجنوية ذات الأحياء في عكا وصور، وأساتذة الفستيان اللومبارد، وأفران مورانو، ثم الضياع القبرصية والصقلية والماديرية — في معظم الحالات غير الذين قاتلوا. وليست هذه مفارقة. إنها الهيئة المعتادة لحلقة إمبراطورية، وهي سبب تدوين الأطلس دفترَ الحساب لا المغامرة.
ولهذا أيضاً يرفض السجل كلتا الخلاصتين المتاحتين. ليس صحيحاً أن الحروب الصليبية أثرت أوروبا فكرياً: فالكتب جاءت من طريق أخرى. وليس صحيحاً أنها كانت تشنّجاً تدميرياً محضاً بلا أثر مادي: فالسكّر والقطن وقِلي الزجاج والمستشفى والموقع التجاري الإيطالي كلها حقيقية وكلها قابلة للتتبع. أما الصحيح فأصغر وأغرب وأعصى على الاحتفاء: قرنان من الاحتلال علّما قارّةً شهية، ثم أمضت القارّة أربعمائة سنة تدبّر أن يشبعها آخرون.
والقطعة التي تتصدّر هذا السجل تقول ذلك أحسن من أي حجّة. كأس إيدنهول قدح من زجاج مطلي بالميناء ومذهّب، صُنع في سوريا أو مصر نحو 1350، حُفظ قروناً في بيت بكمبرلاند وقُيِّد هناك في وصية السير فيليب مَسجريف سنة 1677، ووُصف منذئذ في التقليد الإنجليزي غنيمةً جلبها من الأرض المقدسة جدّ صليبي. وهذا محال. فآخر مدينة صليبية سقطت سنة 1291، قبل نفخ هذا الزجاج بنحو ستين سنة. وقد بلغ إنجلترا كما بلغها كل شيء آخر تقريباً: اشتُري.
ما تلا ذلك
-
1070نحو 1070: تجار من أمالفي يؤسسون نُزُلاً للحجاج في القدس، قبل الحملة الأولى بجيل. سيصير مستشفى القديس يوحنا والنموذج الذي يعود إلى الديار.
-
10851085: طليطلة تسقط بيد ألفونسو السادس ومكتباتها العربية سليمة. وفي جيلين تصير هي، لا الأوترمير، الورشة التي تترجم فيها أوروبا العلم اليوناني والعربي إلى اللاتينية.
-
1096ربيع 1096: عصابات بقيادة إميخو الفلونهايمي تدمّر الجماعات اليهودية في شپاير وفورمس وماينتس وكولونيا وترير وميتز. نحو ألفين إلى ثلاثة آلاف قتيل، قبل أشهر من بلوغ أي صليبي الأناضول.
-
109811-12 كانون الأول 1098: معرة النعمان تُؤخذ ويُقتل أهلها. والمؤرخون اللاتين أنفسهم يسجّلون أن صليبيين جائعين أكلوا الموتى.
-
109915 تموز 1099: القدس تُقتحم. التقديرات الحديثة بين ثلاثة آلاف وعشرة آلاف قتيل من سكان قبل الحصار بين عشرين وثلاثين ألفاً؛ والكنيس الأكبر يُحرق بمن فيه.
-
11241124: Pactum Warmundi يعطي البندقية ثلث صور وثلث دخلها، وكنيسة وشارعاً ومخبزاً وحمّاماً ومحكمة في كل مدينة ملكية. تبدأ المؤسسة التجارية اللاتينية الدائمة في الشام.
-
11541154: روجر الثاني ملك صقلية يتسلّم في باليرمو جغرافية الإدريسي العالمية. الباب الآخر إلى العالم الإسلامي، وهو الذي استعمله العلماء فعلاً.
-
1180نحو 1180: مستشفى القديس يوحنا يشغّل أطباء بأجر ويجري جولات على العنابر وفيه جرّاحون ونظام غذائي مكتوب، على نماذج بيزنطية وإسلامية. الصيغة المؤسسية تعود إلى أوروبا.
-
11841184: ابن جبير يعبر الجليل الفرنجي ويسجّل أن الفلاحين المسلمين يؤدون جزية ونصف الغلّة، وأنهم يجدون أصحاب الأرض من الفرنج أنصف من أهل دينهم. ويسمّي ذلك مصيبة.
-
12021202: ليوناردو البيزي ينشر Liber abaci بعد أن تعلّم الأرقام الهندية العربية في بجاية بشمال إفريقيا حيث كان أبوه موظف جمارك. لا عبر الأوترمير.
-
120412-15 نيسان 1204: الحملة الرابعة تنهب القسطنطينية. إكليل الشوك يمضي إلى باريس، ورباعية الخيل البرونزية إلى سان مركو. أكبر نقل منفرد للفن والذخائر في تاريخ أوروبا الوسيط.
-
1268أيار 1268: بيبرس يأخذ أنطاكية. القتل والاسترقاق هناك من أسوأ الحوادث المنفردة في العصر الصليبي، والمدينة لا تتعافى قط.
-
1285بحلول 1285 كانت مورانو تستورد الرماد النباتي السوري والمصري قِلياً. وستحرّم البندقية لاحقاً أي بديل. زجاج البندقية قائم على سلسلة إمداد شامية.
-
129118 أيار 1291: عكا تسقط. ثم تهدم السياسة المملوكية موانئ الساحل، فتدمّر اقتصاد السكّر والقطن الذي ظلت الأساطيل الإيطالية تشتري منه قرنين.
-
13671367: أسرة كورنارو البندقية تنقل عملها في السكّر من عكا إلى إبيسكوبي في قبرص. الإسبتارية في كولوسي، وتاج اللوزنيان في كوكليا. الصناعة انتقلت.
-
1400مطلع القرن الخامس عشر: مع شحّ اليد العاملة بعد الطاعون الأسود، تستخدم الضياع القبرصية أسرى مسلمين أخذهم القراصنة. ويرى الورفلي في ذلك الحالة الواضحة الوحيدة للعمل غير الحرّ في السكّر المتوسطي الوسيط.
-
1455منذ 1455: مزارع برتغالية في ماديرا، بتمويل جنوي وفنّيين من سلسلة غرب المتوسط. الصيغة غادرت المتوسط.
-
1300من القرن الثاني عشر إلى الرابع عشر: صناعة الفستيان في شمال إيطاليا — لُحمة قطن على سَداة كتّان — تصير أول صناعة قطنية واسعة النطاق في غرب أوروبا، على قطن خام شامي.
-
1500منذ تسعينيات القرن الخامس عشر: ساو تومي تركّب ضيعة السكّر بعمل إفريقي مستعبَد. مركّب المزرعة الأطلسي يُبنى في هذا الطرف، من مواد منها السلسلة المتوسطية.
-
11901190: مذبحة يورك. قالب الراين لسنة 1096 — دعوة إلى حملة، ولاهوت ثأر، وجماعة يهودية محلية هدفاً متاحاً — صار حدثاً أوروبياً متكرراً.
أين يعيش هذا اليوم
المراجع
- Tyerman, Christopher. God's War: A New History of the Crusades. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2006. en
- Riley-Smith, Jonathan. The Crusades: A History. 3rd ed. London: Bloomsbury Academic, 2014. en
- Watson, Andrew M. Agricultural Innovation in the Early Islamic World: The Diffusion of Crops and Farming Techniques, 700-1100. Cambridge Studies in Islamic Civilization. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. en
- Ouerfelli, Mohamed. Le sucre : production, commercialisation et usages dans la Mediterranee medievale. The Medieval Mediterranean 71. Leiden and Boston: Brill, 2008. fr
- Mintz, Sidney W. Sweetness and Power: The Place of Sugar in Modern History. New York: Viking, 1985. en
- Mazzaoui, Maureen Fennell. The Italian Cotton Industry in the Later Middle Ages, 1100-1600. Cambridge: Cambridge University Press, 1981. en
- Jacoby, David. Commercial Exchange Across the Mediterranean: Byzantium, the Crusader Levant, Egypt and Italy. Variorum Collected Studies. Aldershot: Ashgate Variorum, 2005. en
- Mitchell, Piers D. Medicine in the Crusades: Warfare, Wounds and the Medieval Surgeon. Cambridge: Cambridge University Press, 2004. en
- von Wartburg, Marie-Louise. “The Archaeology of Cane Sugar Production: A Survey of Twenty Years of Research in Cyprus.” The Antiquaries Journal 81 (2001): 305-335. en
- Kedar, Benjamin Z. “The Jerusalem Massacre of July 1099 in the Western Historiography of the Crusades.” Crusades 3 (2004): 15-75. en
- Chazan, Robert. European Jewry and the First Crusade. Berkeley: University of California Press, 1987. en
- Hillenbrand, Carole. The Crusades: Islamic Perspectives. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999. en
- Cobb, Paul M. The Race for Paradise: An Islamic History of the Crusades. Oxford: Oxford University Press, 2014. en
- Prawer, Joshua. Histoire du royaume latin de Jerusalem. 2 vols. Paris: CNRS, 1969-1970. fr
- Ellenblum, Ronnie. Crusader Castles and Modern Histories. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. en
- Burnett, Charles. “The Coherence of the Arabic-Latin Translation Program in Toledo in the Twelfth Century.” Science in Context 14, no. 1-2 (2001): 249-288. en
- Ibn Jubayr. The Travels of Ibn Jubayr, translated from the original Arabic by R. J. C. Broadhurst. London: Jonathan Cape, 1952. ar primary
- Usama ibn Munqidh. The Book of Contemplation: Islam and the Crusades, translated by Paul M. Cobb. London: Penguin Classics, 2008. ar primary
- Fulcher of Chartres. A History of the Expedition to Jerusalem, 1095-1127, translated by Frances Rita Ryan, edited by Harold S. Fink. Knoxville: University of Tennessee Press, 1969. la primary
- Eidelberg, Shlomo, trans. The Jews and the Crusaders: The Hebrew Chronicles of the First and Second Crusades. Madison: University of Wisconsin Press, 1977. he primary
- Niketas Choniates. O City of Byzantium: Annals of Niketas Choniates, translated by Harry J. Magoulias. Detroit: Wayne State University Press, 1984. grc primary
- Queller, Donald E., and Thomas F. Madden. The Fourth Crusade: The Conquest of Constantinople. 2nd ed. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1997. en
- Ashtor, Eliyahu. Levant Trade in the Later Middle Ages. Princeton: Princeton University Press, 1983. en
- Reyerson, Kathryn. Review of Mohamed Ouerfelli, Le sucre. The Medieval Review 09.02.05 (2009). en
- Hill, Rosalind, ed. and trans. Gesta Francorum et aliorum Hierosolimitanorum: The Deeds of the Franks and the Other Pilgrims to Jerusalem. Oxford: Clarendon Press, 1962. la primary