ميثراس وصل مع الفيالق الرومانية ومات مع روما الوثنية (نحو 100 م)
ديانة سرية ذات نكهة إيرانية، أُعيدت صياغتها في الشرق الهلنستي، حملها الجنود من نهر الراين إلى سور هادريان، فبَنَت أربعمئة معبد عبر الإمبراطورية — ولم تترك نصاً مقدساً، بل حجراً فحسب، حين أغلقتها المسيحية.
بحلول أواخر القرن الأول الميلادي، كان الجنود الرومان يُدخلون بعضهم بعضاً في طقوس ديانة سرية ذكورية تكرّس عبادة إله أطلقوا عليه اسم ميثراس — وهو اسم مأخوذ من اليَزاتا الإيرانية المختصة بالعهود والمواثيق، غير أن هذه الديانة أُعيدت صياغتها إلى حدٍّ بعيد في الشرق الهلنستي وعلى التخوم الرومانية. وعلى مدى ثلاثة قرون، تتبّع هذا التقليد الجيشَ الإمبراطوري: من حاميات الراين والدانوب إلى دورا أوروبوس على الفرات، ومن الأفنتين في روما إلى كاراوبرو على سور هادريان. وقد بقيت من معابد ميثراس نحو أربعمئة معبد — وهي قاعات صغيرة تحت الأرض، يواجه كلٌّ من مقعديها الآخر، ويعلو الجدارَ الخلفي مشهدُ ذبح الثور — صمدت أثرياً حتى يومنا هذا. وبعد أن حظر ثيودوسيوس الأول التضحياتِ الوثنية بين عامَي 391 و392 م، حطّم المسيحيون التماثيلَ الطقسية، وكسروا المقاعدَ، وسدّوا القاعاتِ بالجدران. ولم تخلّف هذه الديانة نصاً مقدساً. وفي وسعنا أن نقرأ ما نقشه أتباعها على الحجر، لا ما تَوَجَّهوا به في صلواتهم.
قبل ذلك: روما على مشارف القرن الثاني، وإيران بعيدةً وراءها
حين يظهر الإله ميثراس للمرة الأولى في الشواهد الرومانية المؤرَّخة — وهي جدارية مجزأة في بومبي طمرها بركان فيزوف عام 79 م، ونقش تذكاري من كارنونتوم يعود إلى الجيل ذاته على ضفاف الدانوب — كانت روما قد باتت إمبراطورية منذ ما يزيد قليلاً على القرن 1. وكانت تسوية أغسطس عام 27 ق.م قد أدمجت الديانة المدنية الجمهورية في عبادة دولة لا يكاد تقويمها يتمايز عن التقويم اليومي للمدينة: التضحيات العامة في الكابيتولين، وعذارى فيستا عند موقد المعبد، ومجمع الكهنة العرّافين الذي يقرأ علامات الطيور قبل أيّ فعل سياسي ذي بال، ولاراتُ كل بيت تتلقّى قمحَها كل صباح من السنة. لم تكن الديانة بهذا المعنى الروماني قناعةً خاصة يختارها المرء أو يتركها متى شاء، بل كانت منظومة من الالتزامات الجماعية المتوارثة، تُؤدَّى علناً، على مرأى من الجيران ومن الآلهة على حدّ سواء، وكانت تربط الإنسان بمدينته كما يربط النَّفَسُ الجسدَ بالحياة، حتى إن الإخلال بها كان يُعدّ خروجاً من نسيج المدينة لا مجرّد تقصير في عبادة.
تلك كانت الديانة التي حملتها الفيالقُ معها حين رفع قدماء محاربي فسبسيان أعلامهم وقطعوا معسكراتهم عقب الحرب اليهودية بين عامَي 66 و73 م، وحين عبر جيشُ تراجان الدانوبَ نحو داقية عام 101 م، وحين سار هادريان على طول السور الذي شرع في تشييده من سولواي إلى تاين عام 122 م. كانت رايات الوحدات تنتقل حيث ينتقل الرجال؛ ومعها لاراتُ البيت، وعبقريّةُ الوحدة الحامية لها، والعبادة الإمبراطورية لأغسطس المؤلَّه، والمذابح الصغيرة لمارس ولجوبيتر الأعلى الأعظم. كان الجندي الروماني في عام 100 م لا يكاد يصلّي لإله اسمه ميثراس في أيّ مكان من أرجاء الإمبراطورية — لأن هذا الإله لم يكن قد ترسّخ بعدُ حضوراً ذا شأن في الديانة الرومانية تحت هذا الاسم بالذات. غير أن ذلك سيتبدّل في غضون جيل واحد فحسب، وبسرعة مفاجئة لم تترك للمؤرّخين القدماء وقتاً لتسجيل تفاصيلها.
ما كان يحفل به ديانةُ الجندي أصلاً
كانت الحياة الدينية اليومية لجنديٍّ على التخوم في عام 100 م مكتظةً سلفاً. فقد كان يؤدّي قسم الولاء (السكرامينتوم) للإمبراطور في كانون الثاني من كل عام عند المقرّ القيادي لوحدته، ويسير في موكب «عيد ميلاد النسر» (ناتاليس أكويلاي) — أي ذكرى نسر فيلقه — وفي أعيد جلوس الأباطرة على العرش. وكان له عبقريّتُه الخاصة، أي مرافقه الإلهي الشخصي؛ ولوحدته «عبقرية الكوهورت»؛ وحامل رايته يحمل صور الأباطرة المؤلَّهين رجوعاً إلى أغسطس. وعند مهجعه كان يحتفظ بمذبح صغير عليه آلهة البيت التي أعطته إياها أمه يوم تجنيده. وفي يوم السبت كان يسكب قربان السكيب. وفي الأعياد كان يسير في الموكب، ويُضحّي، ويأكل. ولم يكن شيء من ذلك يستلزم التزاماً داخلياً؛ بل كان كلّه يستلزم الحضور.
أمّا ما كان غائباً عن هذه الحسبة الدينية فهو أيّ شيء يشبه ما سيسمّيه المراقب الحديث الإيمانَ بالخلاص الفردي للنفس. فالديانة المدنية لم تكن تَعِد المشاركين فيها بأيّ صورة محدّدة من النجاة من الموت أو الخلود من بعده، ولم تكن تطرح عقيدة محكمة بشأن بنية الكون أو مصير الروح، ولم تكن تشترط على المشارك أن يشعر هكذا أو بخلاف ذلك تجاه الآلهة في قرارة نفسه. كان همّها صون «سلام الآلهة» (باكس ديوروم) من خلال طقوس تُؤدَّى على وجهها الصحيح، في الأيام المناسبة، وفي الأماكن المناسبة، وعلى يد الأشخاص المناسبين، دون التفات إلى ما يعتمل في صدور المؤدّين من قناعات أو شكوك. وكانت الحياة الباطنية للجندي شأناً يخصّه وحده دون رقيب. وسيحلّ ميثراس في تلك الحياة الباطنية، التي تركتها الدولة شاغرة، ويبقى فيها ثلاثة قرون متّصلة.
ميثرا الإيراني: الإله وراء الاسم اليوناني
كان الاسم قديماً جداً، ضاربةً جذوره في أعماق عصور ما قبل الميلاد. فميثرا الإيراني — ميثرا في الأفستية، وميثرَه في الفارسية القديمة — مشهود له بالكتابة المسمارية منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد على أقل تقدير، إذ ورد في معاهدة حيثية-ميتانية تعود إلى نحو عام 1400 ق.م بوصفه إله القسَم المُبرَم وضامن العهود الدولية 2. وفي أواخر العهد الأخميني، كان قد غدا يَزاتا كبرى في الشعائر الزرادشتية: إله النور، وإله العقد بين الأشخاص، وإله الميثاق بين الحاكم والمحكوم. ويصفه النشيدُ العاشر من الأفستا — «المهر يَشت» — بأن له عشرة آلاف أذن وألف عين لا تنام، يراقب نقض أيّ وعد مهما خفي. أمّا اللفظة الفارسية «ميثرا» نفسها فمشتقّة من جذر بدائي هندو-إيراني يعني ما يربط ويُلزم، وما يجعل الشيء يفي بكلمته المُعطاة دون نكوص 3. كان إلهَ ضرورةِ الوفاء بما يُقسَم عليه، وحارسَ النظام الأخلاقي الذي تقوم عليه الجماعة البشرية.
كان لميثرا الإيراني لاهوت معروف الملامح، وكهنوت ثابت، وموقع راسخ في السنة الطقسية الزرادشتية. غير أنه لم يذبح ثوراً، في أيّ نصّ إيراني نجا حتى اليوم. أمّا الصورة التي ستغدو الأيقونة المركزية للديانة الرومانية — أي ميثراس راكعاً على ثور مقدّس، يغرس سكيناً قصيرة في عنقه، فيما يحضر كلبٌ وأفعى وعقربٌ مشهدَ الجرح — فليس لها أيّ أصل إيراني 4. ومهما كان ما ستصنعه الديانة الغربية باسمها الإيراني النَّكهة، فإنها ستصنعه إلى حدّ بعيد بموادّها الخاصة.
ما الذي كانت تعنيه «الديانة السرية» سلفاً في حوض المتوسط
لم تكن الديانة المدنية في حوض المتوسط هي النوع الوحيد المتاح في أوائل العهد الإمبراطوري. فمنذ أكثر من نصف ألفية، كان الشرق الناطق باليونانية يحتضن تقليداً موازياً من العبادات الطوعية ذات الطقوس الافتتاحية الإقصائية — «المسارّات» (ميستيريا) — تَعِد المنتسبَ إليها بشيء لم تكن التضحية العامة تَعِد به: تغيّر شخصي في موقعه إزاء الآلهة، يُعبَّر عنه في الغالب بصيغة ضمان من أسوأ ما يحمله العالم الآخر. فأسرار إيليوسيس قرب أثينا كانت قائمة منذ القرن السابع قبل الميلاد. والإلهة الأناضولية كوبيلي استُقبلت في روما بوصفها «الأم العظمى» (ماغنا ماتر) عام 204 ق.م تنفيذاً لما ورد في كتب العرّافة السيبيلية، وغدا كهنتها المُخصيّون «الغالي» معلَماً ثابتاً من معالم تلّ الأفنتين 5. أمّا الإلهة المصرية إيزيس فقد بلغت إيطاليا في أواخر العهد الجمهوري، وكان لها معبد في بومبي دمّره الانفجار البركاني ذاته الذي طمر أوّل أثر روماني لميثراس.
لم تكن هذه الأسرار تخريبية في طبيعتها، بل كانت موضعَ تسامح، تُقمَع أحياناً (وكانت حملة قمع طقوس باخوس عام 186 ق.م استثناءً مبكراً)، وتُدمَج في الغالب الأعمّ في المشهد المدني بوصفها قرابين روحانية إضافية اختيارية. وما كان يميّزها بوصفها صنفاً هو بنيتها: فالمنتسبون يُشكّلون جماعة منفصلة عن السكان المدنيين العامين، ويؤدّون شعائر لا يُسمح للأجانب عنها برؤيتها، ويؤمنون — أو يُوعَدون — بأن شيئاً بعينه سيحدث لهم فردياً لا يحدث لمن هم خارجها. وكانت كوبيلي وإيزيس وديونيسوس قد فتحت كلٌّ منها باباً إلى ذلك الضرب من الحياة الدينية الخاصة، تشارك فيها النساء مشاركة كاملة في الديانات الثلاث. أمّا ميثراس فسيدخل من الباب ذاته، ثم يُغلقه خلفه.
النقل: ديانة مُشيَّدة، لا ديانة منقولة
ثمة روايتان متنافستان يمكن سردهما في كيفية وصول ميثراس إلى روما، وهما اللتان شغلتا الميدان طوال قرن من البحث الأكاديمي. فقد روى فرانز كومون في كتابه «نصوص وآثار مصوّرة متعلقة بأسرار ميثرا» (1894-1899) الروايةَ الأبسط: أن الميثرائية الرومانية ليست سوى المزدية الإيرانية في ثوب يوناني-روماني، حملها وسطاء أناضوليون وكيليكيون إلى الغرب، وامتصّتها الفيالقُ امتصاصاً تاماً 6. ظلّت إعادة بناء كومون مهيمنة على الميدان قرابة ثلاثة أرباع القرن. غير أنها مرفوضة الآن إلى حدّ بعيد. فقد لخّص روجر بيك في «ديانة طقوس ميثراس في الإمبراطورية الرومانية» (2006) هذا التحوّل بصراحة: «إن تصوير ميثراس الذي قدّمه كومون ليس فحسب غير مدعوم بالنصوص الإيرانية، بل هو في صراع جدّي مع اللاهوت الإيراني المعروف» 7. كما كان ر. ل. غوردون قد دفع منذ سبعينيات القرن العشرين بأن كومون قد قسر المواد المتاحة على أن تجري في خطّ شرقي-غربي مُسبَق الإعداد لا تدعمه الشواهد فعلياً 8.
أمّا الرواية العلمية الراهنة فهي أعقد وأقلّ أناقة من سابقتها، لكنها أوفى للأدلّة المتاحة. فقد شُيِّدت طقوس ميثراس الرومانية تشييداً قصدياً — يُرجَّح أن ذلك وقع في القرن الأول الميلادي، وفي الشرق الهلنستي على الأرجح من بين كل المناطق الممكنة، وربما بمشاركة من السلالة الكوماجينية التي كانت مملكتها (في ما هو اليوم جنوب شرق تركيا) جاثمة على التماس بين الفضاءين الروماني والبارثي، والتي تُظهر آثارها الملكية في جبل نمرود ميثرا في ثوب فارسي يصافح أنطيوخوس الأول في مشهد لافت. وأياً كان مؤسس هذا التقليد أو مؤسسوه، فقد كانوا على دراية كافية بالمعجم الديني الإيراني تتيح لهم اقتباس اسم ميثراس وصورةَ إله السماء الميثاقي بدقّة، وعلى دراية كافية أيضاً بالممارسة السرية اليونانية-الرومانية وبعلوم النجوم وعقائد الأفلاك تتيح لهم أن يبنوا حول هذا الاسم ديانةً تلائم العالم الروماني الذي قصدوا إليه وتُخاطب همومه.
قراصنة بلوتارخوس وأقدم أثر سردي
يقدّم لنا بلوتارخوس أقدم أثر سردي بشأن وجود الديانة. ففي «حياة بومبيوس» (24-5)، التي كُتبت نحو عام 100 م عن أحداث جرت في عام 67 ق.م، يُفيد بأن القراصنة الكيليكيين الذين قمعهم بومبيوس «كانوا يؤدّون طقوساً سرية معيّنة، لا تزال طقوس ميثراس منها محفوظة إلى يومنا هذا» 9. كان بلوتارخوس يكتب بعد الأحداث بما يزيد على قرن من الزمن، وكان يتعامل مع الطقوس الميثرائية بوصفها مستقرّة سلفاً في زمنه دون حاجة إلى تفسير لقرّائه. وهو لا يقول إن القراصنة هم من ابتكرها أو أوجدها من العدم، بل يقول فقط إنهم مارسوها، وإنهم مارسوها حيث كانت كيليكية تلتقي بشرق المتوسط — أي تماماً عند المفصل الذي تلاقت فيه المعاجم الدينية الرومانية واليونانية والإيرانية في بوتقة واحدة.
أمّا أقدم الشواهد الأثرية المؤرَّخة فقد جاءت بعد جيل واحد. فحوالي عام 71 م، يبدو أن جندياً من الفيلق الخامس عشر الأبولّيناري قدّم قرباناً ميثرائياً في كارنونتوم. وفي عهد تراجان، تُوثَّق معابد ميثراس في عدة حاميات على الدانوب. وبحلول جلوس هادريان على العرش عام 117 م، كانت الديانة قد بلغت بيوت الجمارك في أوستيا، وأحياء العتقاء الإمبراطوريين في الأفنتين، وقاعدة الفيالق في أقصى الشرق في دورا أوروبوس على الفرات 10. ومهما كان ما جرى في السبعين عاماً الفاصلة بين قراصنة بلوتارخوس وأوّل الأحجار المؤرَّخة، فقد جرى بسرعة وعلى طول خطوط إمداد الجيش.
معبد ميثراس: صغير، مظلم، قابل للتكرار
كانت الحاوية المادية لهذه الديانة صغيرة على الدوام، بغضّ النظر عن المكان الذي شُيِّدت فيه. فقد كان أتباعها يلتقون في فضاءات تُحاكي الكهفَ عن قصد: أسقف منخفضة، بلا نوافذ تطلّ على الخارج، تُحفر في الغالب في جوانب التلال أو تُبنى في الأقبية تحت المباني الكبرى، ولا يتعدّى طولها أحياناً تسعة أمتار من الجدار إلى الجدار. وكان مقعدان طويلان يمتدّان بطول الغرفة يواجه أحدهما الآخر بصورة متقابلة؛ ويملأ مشهد ذبح الثور الجدارَ الخلفي خلف مذبح صغير في صدر القاعة. كان عشرون إلى ثلاثون منتسباً يجدون مكانهم بأريحية على المقعدَين معاً؛ أمّا الاجتماعات الأكبر من ذلك فلم تكن ممكنة ضمن هذه الأبعاد الضيّقة. وحين كانت الجماعة تتنامى بما يتجاوز السعة المتاحة، كانت تؤسّس معبداً ثانياً في الجوار بدل توسيع الأول الذي ظلّ على حاله. ومن هنا يأتي السبب في كثرة هذه المعابد عبر الإمبراطورية: فقد كانت الديانة تتوسّع بالتكرار، لا بالتمدّد، وكانت كلّ خلية جديدة نسخة طبق الأصل من سابقتها. وفي أوستيا وحدها، نُقّبت ثمانية عشر معبداً مستقلاً ضمن نطاق المدينة؛ أمّا في روما ذاتها فقد بات الموثّق منها أثرياً يتجاوز الأربعين معبداً.
قد عُرف نحو أربعمئة معبد ميثرائي في عموم الإمبراطورية 10. وتتمركز التجمّعات في القواعد العسكرية وفي كبرى المدن المدنية التي كانت تمدّها. وتمثّل تخوم الراين-الدانوب — وهي تطابق ألمانيا والنمسا والمجر وصربيا ورومانيا وبلغاريا اليوم — أكبر تجمّع منفرد. ولبريطانيا مجموعة أصغر لكنها موثّقة جيداً، تتضمّن معابد سور هادريان الشهيرة في كاراوبرو وهاوستيدز وروتشستر. وروما وأوستيا هما أكبر تجمّعَين حضريَّين. أمّا شمال أفريقيا فبها مواقع عسكرية متفرقة. وتؤشّر دورا أوروبوس على الفرات السوري إلى أقصى تخوم الديانة الأثرية شرقاً. ومصر لا تكاد تضمّ منها شيئاً؛ واليونان تكاد تخلو منها كلياً.
دورا أوروبوس: التخم الشرقي الأقصى للديانة
يمثّل معبد ميثراس في دورا أوروبوس على الفرات السوري أقصى ما بقي من الديانة أثرياً نحو الشرق، وهو في الوقت ذاته من أكثر المواقع المنفردة إفصاحاً عن طبيعة هذا التقليد. فقد أُسّس نحو عام 168 م على يد رماة تدمريين كانوا يخدمون في الحامية الرومانية المرابطة هناك، ومرّت قاعته بثلاث مراحل معمارية متعاقبة تبعاً لإعادة هيكلة الوحدة وإضافة أسماء واهبين جدد على مرّ السنين. وتُصوّر اللوحاتُ الجدارية على الجدران الجانبية صيادين على ظهور الخيل وشخصيات مسمّاة من تقليد الديانة؛ كما تذكر النقوش اليونانية في السجلّ الأوسط عدداً من واهبي درجة «الباتر» بثلاثيّتهم الرومانية الكاملة. وكانت الحصار الساساني عام 256 م — الذي أنهى الاحتلال الروماني للمدينة وطمر معبدَ ميثراس تحت أعمال ترابية دفاعية حفظته سليماً — قد أهدانا، من باب المفارقة، أفضل معبد ميثرائي محفوظ شرق إيطاليا. وحين أعاد منقّبو جامعة ييل فتح القاعة عام 1934، كانت اللوحات الجدارية تكاد تكون نضرة كما كانت لحظة طمرها. وتقدّم دورا، في موقع واحد، الطابعَ العسكري للديانة على التخوم، وعاداتها النقشية، والمعبدَ الجوهري الوحيد من الولايات الشرقية.
الدرجات السبع والرجال الذين مرّوا بها
كان المنتسبون يتدرّجون عبر سبع رتب متتالية، تقابل كلٌّ منها كوكباً وتستلزم طقس قبول مستقلاً. وتأتي الأسماء، التي اسْتُعِيدت من النقوش ومن لوحات سانتا بريسكا في روما، على النحو الآتي 11:
- كوراكس (الغراب) — عطارد، الرسول
- نِمفوس (العروس) — الزهرة
- ميلس (الجندي) — المرّيخ
- ليو (الأسد) — المشتري
- بِرسيس (الفارسي) — القمر
- هيليودرومس (عدّاء الشمس) — الشمس
- باتر (الأب) — زحل، رئيس الجلسة
وتُظهر النقوش رجالاً من لحم ودم يتدرّجون عبر هذه الرتب. ففي دورا أوروبوس، تتضمّن قائمة الواهبين قائدَ مئة من الفيلق الثالث القورينائي، وتريبوناً، و«كورنيكولاريوس» — كبير كتّاب الوحدة. وفي كاراوبرو، يخلّد نقشٌ قدّمه لوكيوس أنطونيوس بروكولوس، حاكم «الكوهورت الأول الباتافي»، تأسيسَ المعبد. وفي معبد الأفنتين بروما، يُعرّف عتيقٌ إمبراطوري من القرن الثاني بنفسه بوصفه باتر جماعته 12. وقد عبرت الديانة الحدَّ بين الفيالق والخدمة المدنية الإمبراطورية: جنود، وموظفو جمارك، وعتقاء البيت الإمبراطوري، وقلة من الشيوخ، وبعض الوكلاء الإقليميين. ولم تبلغ هذه الديانة، في حدود ما يُتيحه السجلّ النقشي، فقراءَ المدن بأعداد كبيرة، ولم تشمل النساء.
وجبة الديانة
مرّة في الأسبوع، أو في الأعياد الكبرى المرتبطة بالتقويم الشمسي ومراحله، كان المنتسبون يتّكئون على المقعدين الطويلَين، اثني عشر أو خمسة عشر إلى كل جانب، ويتقاسمون وجبة طقسية مشتركة. وكان الخبز والنبيذ يُكرَّسان بصلوات خاصة. وكان الباتر يترأّس الجلسة بكامل سلطته. واستناداً إلى لوحات سانتا بريسكا والمنحوتات البارزة من كونييتش في البوسنة الراهنة، وهيدرنهايم في فرانكفورت الراهنة، فإن الوجبة كانت تُعيد تمثيل وليمة إلهية: ميثراس و«سول إنفيكتوس» — الشمس التي لا تُقهر — يتّكئان معاً إلى مائدة مفروشة بجلد الثور المذبوح، ويخدمهما أصحابُ الرتب الأدنى الذين يَظهرون في الأيقونة بزيّ أعضاء الجماعة العاملين، متّكئين في وجبتهم الخاصة 13. وكان البناء الكوني متعدّد الطبقات: فكل وجبة في كل معبد كانت إعادة أداءٍ لحدثٍ كوني، يحتلّ فيه الرجال الجالسون على المقعدين موضع الآلهة. كانت تلك هي الشعيرة المتكرّرة الرئيسية في الديانة. ولم يصلنا من ليتورجيتها شيء؛ وما نعرفه هو ما كان على المقعدين وما كان على الجدار الخلفي، ومن هاتين الحقيقتين نستنتج ما تبقّى.
ما الذي تغيّر وما الذي حلّ محلّ غيره
أحدث هذا النقل عدة تحوّلات متمايزة في الحياة الدينية الرومانية في آنٍ معاً، وأهمّها أثراً قد طُمر تحت ركام انقراض الديانة في نهاية المطاف وبات يصعب رؤيته بوضوح. إن البصمة الميثرائية على المسيحية جزء من الجواب الإجمالي؛ غير أن بصمتها على بنية الجماعة الدينية الرومانية هي الجزء الأكبر والأعمق أثراً.
نموذج جماعة طوعية، منتقاة، حصرية
كانت الديانة المدنية الرومانية شاملة بطبيعتها. فكل من في المدينة يشارك في تضحياتها. وكان تقويم الأعياد هو التقويم اليومي ذاته. ولم تكن هناك إجراءات قبول، ولا التزام عقدي، ولا طقس يُلزم المشارك بأكثر من واجب الحضور. وكانت الديانات السرية قد فتحت تلك البنية على مدى الألفية السابقة، غير أن أيّاً منها لم ينتشر بالسرعة والمنهجية اللتين انتشر بهما تقليد ميثراس عبر الإمبراطورية. فمعبد ميثراس كان نادياً مفلتراً: تُرشَّح فيه إلى داخله، وتتدرّج فيه عبر الرتب، وتعرف الجماعةُ كلَّ من فيها وتأتمنه على شعائر تحفظها بعيداً عن الأجانب. وقد دفع روجر بيك بأن الإنجاز المتميّز لهذه الديانة كان إنتاج ضرب بعينه من الجماعة الدينية: صغير، وفيّ، هرمي داخلياً، قابل للتكرار جغرافياً. وقد كان الجيش الروماني، من نواحٍ كثيرة، يتعرّف على ذاته في تلك البنية 14.
لم تكن هذه الجماعة الوحيدة من نوعها في القرن الثاني. فقد كان للجماعات المسيحية المبكرة شيء من الشكل ذاته — صغيرة، طوعية، متدرّجة داخلياً، متمايزة أيديولوجياً عن الديانة المدنية المحيطة. وقد كان واضحاً لآباء الكنيسة في القرن الرابع أن ميثراس ويسوع كانا يتنافسان على الصنف ذاته من المريدين، وعلى الموقع الانفعالي ذاته في الحياة الباطنية للرجل الروماني، حتى إن مجادلاتهم ضدّ ميثراس تُعدّ من أنفع مصادرنا، لأنها توثّق ما كانت عليه هذه الديانة بالنسبة إلى الرجال الذين عاشوا في كنفها. فترتليان، الذي كتب نحو عام 200 م، كان يعرف الطقوس معرفةً كافية تتيح له أن يندّد بشعائر بعينها — وَسْم جبهة المنتسب بما سمّاه دَمغة، وتقديم الخبز والماء المُكرَّسَين، والإكليل الذي كان يُعرض على «الميلس» ويُطلَب منه رفضه — وأن يصرّ على أن الشيطان قد زوّر الأسرار المسيحية مسبقاً 15. وكان يوستينوس الشهيد، قبل ذلك بجيل، قد طرح التهمة ذاتها بصيغة أقصر. إن عداء هؤلاء الكتّاب قراءة معاصرة بأثر رجعي من قبل من رأى في هذه الديانة محاكاةً لا يُمكنه تجاهلها.
التوروكتوني بوصفها لاهوتاً
الصورة هي ذاتها في كل معبد ميثرائي عبر الإمبراطورية بأكملها. ميثراس، مرتدياً القلنسوة الفريغية والقميص الشرقي، يركع على ظهر ثور ويغرس سكيناً قصيرة في عنقه بحركة حاسمة. ويلوغ كلبٌ وأفعى في الدم المنسكب من الجرح. ويُمسك عقربٌ بخصيتَي الثور بقبضة محكمة. ويُحفّ المشهد حاملا مشعلَين — كاوتيس برافع مشعله إلى أعلى رمزاً للنهار، وكاوتوباتيس بمشعله المُنكَّس رمزاً لليل. ويركب سول ولونا عرباتهما عبر السجلّ الأعلى من اللوحة. وأحياناً يكون الثور في كهف يحتضنه؛ وأحياناً يحفّ بالمشهد إكليل من النجوم اللامعة؛ وأحياناً يقوس البرجُ السماوي بأبراجه الاثني عشر على قمّة المنحوتة.

أياً كان ما تمثّله هذه الصورة عند المنتسبين، فقد مثّلت شيئاً مترابطاً بما يكفي ليُعيد كلُّ معبد ميثرائي من بريطانيا إلى سورية إنتاجه بفروق طفيفة لا غير. وقد افترض دافيد أولانزي في «أصول الأسرار الميثرائية» (1989) أن المشهد بأكمله شفرة فلكية: فالثور هو برج الثور، الكوكبة التي حدّدت الاعتدال الربيعي خلال الدهر السابق، والتي أزاحها من هذا الموقع مبدأُ مدارة الاعتدالين — وهو اكتشاف يُنسب في القرن الثاني قبل الميلاد إلى هيبارخوس النيقياوي. والكلب هو كلب صغير، والأفعى هي الشجاع، والعقرب هو العقرب، وحاملا المشعلَين هما كوكبتا الاعتدالين 16. وكان فعل ميثراس، في هذه القراءة، هو الحدث الكوني الذي أنهى الدهر السابق للكون ودشّن الدهر الحاضر. وكانت الديانة استجابةً سرّانية لحقيقة جديدة مذهلة بشأن بنية السماوات.
وقد قبل بيك، في كتابه الصادر عام 2006، مركزية الرمزية الفلكية مع رفضه أقوى صور إعادة بناء أولانزي. ودفع بدلاً من ذلك بأن التوروكتوني تُشفّر برنامجاً أعمّ للخلاص الكوني — هبوط النفس عبر الأفلاك الكوكبية عند الولادة، وصعودها رجوعاً عبرها بعد الموت 17. وكانت الدرجات السبع، في هذه الرواية، محطّات على طريق ذلك الصعود: فالمرور من كوراكس إلى باتر تمرين، في الحياة، على الرحلة التي ستقطعها النفس عبر السماوات الكوكبية السبع بعد تحرّر الجسد. وكلتا القراءتين تتّفقان على النقطة المركزية: أن مشهد ذبح الثور لم يكن زخرفاً سردياً، بل كان لاهوت الديانة في صيغة أيقونية مكثّفة.
الشعائر التي بقي لها شواهد
الشهادات على ما كان يجري داخل معبد ميثراس مجزأة بحكم التصميم — فالطقوس كانت سرّية، واللغة شفهية، وأعداء الديانة لم يكونوا في الغالب شهوداً محايدين. ومع ذلك، تُتيح لنا توليفةُ المجادلة المسيحية واللوحات الجدارية الناجية والبقايا الأثرية أن نستعيد ملامح عدة شعائر قبول. فالمنتسب إلى رتبة «ميلس»، وهي الدرجة الثالثة، كان يُوسَم على جبهته بحديد ساخن — وَسْم طقوسي ندّد به المدافع المسيحي ترتليان بوصفه محاكاة ساخرة للمعمودية. وكان يُعرض عليه إكليل على رأس سيف؛ ويُطلَب منه رفضه، إذ يُعلن أن ميثراس هو إكليله. ثم يُقيَّد يداً وقدماً، ويقطع الباتر القيود ليرمز إلى تحرّره ودخوله المجتمع الأعلى. أمّا عند درجة «ليو»، الرتبة الرابعة، فكانت يدا المنتسب ولسانه تُطهَّر بالعسل بدلاً من الماء — «عسل الأسد» وفق معجم الديانة — ويُحرَّم عليه منذ تلك اللحظة لمس الماء بيدَي درجاتٍ أدنى نجستَين.
أمّا الاختبارات الأخرى فأصعب على إعادة البناء. وتشير مصادر مسيحية عدة إلى «كراتيريس» أو إناء مختوم كان المنتسب يشرب منه في وحدة تحوّلية. ويُظهر إناء طقوس ماينتس، الذي اكتُشف عام 1976، موكباً من المنتسبين، يُهدَّد أحدهم بسهم يُصوّبه شخصٌ بزي الباتر نحو «ميلس» راكع. وقد دفع بيك بأن هذا يُمثّل محاكاة طقسية للخطر المميت — منتسب يُواجَه بظاهرة إطلاق النار عليه، فينجو بفضل إيمانه بالديانة 13. ولا يمكن إعادة بناء أيّ من ذلك بتفاصيله الليتورجية. وما يمكن قوله هو أن الشعائر كانت شاقة بدنياً، وكانت تنطوي على مخاطر فعلية بإصابة جسدية، وكانت مُعايَرة لإحداث تجربة عميقة من الانتقال من حال كينونة إلى أخرى. لم تكن الدرجات السبع مجرّدة، بل كانت مراحل من التحوّل البدني.
سول إنفيكتوس ومسألة الخامس والعشرين من ديسمبر
بحلول أواخر القرن الثالث، كان ميثراس قد أُدمج كلياً في سول إنفيكتوس، الشمس التي لا تُقهر، الذي رفع أوريليان عبادته إلى مكانة إمبراطورية عام 274 م، والذي غدا عيد ميلاده في الخامس والعشرين من ديسمبر — أي «ناتاليس سوليس إنفيكتي»، المُحدَّد بالتقويم اليولياني في اليوم التالي للانقلاب الشمسي الشتوي — أحد أعياد الدولة الرومانية الدينية المركزية في أواخر العهد. وحين حدّدت الكنيسة الرومانية، في منتصف القرن الرابع، الاحتفال بميلاد المسيح في الخامس والعشرين من ديسمبر، فقد ورثت تاريخاً مثقلاً سلفاً بإحالات ميثرائية وشمسية 18. أمّا ما إذا كان تحديد التاريخ متعمّداً في الاستيلاء أم مجرّد تقارب، فهو نقاش متواصل منذ أمد؛ ولكن ما لا يُنازَع فيه هو أن ميثراس كان قائماً قرب مركز التقويم الديني الإمبراطوري في الجيل السابق لإزاحته على يد المسيحية.
ويُظهر الإهداء التتراركي في كارنونتوم عام 308 م الديانةَ في ذروة مكانتها السياسية. فقد اجتمع ديوقلديانوس وغاليريوس وليكينيوس لتسوية وراثة العرش الإمبراطوري؛ وأثناء وجودهم هناك، أهدَوا ترميم معبد ميثراس إلى «الإله الشمس الذي لا يُقهر ميثراس» («ديو سولي إنفيكتو ميثراي»)، ووصفوه بـ«حامي إمبراطوريّتهم» («فاوتوري إمبيري سوي») 19. وفي أقلّ من عشرين عاماً، كان قسطنطين قد ألقى بثقل التأييد الإمبراطوري وراء المسيحية عند جسر ميلفيوس عام 312 م، وكانت الحسبة الدينية للإمبراطورية قد شرعت في الانقلاب الذي سيغلق معابد ميثراس في غضون قرن.
ما لم تمنحه الإمبراطورية
لم تعطِ الميثرائية الإمبراطورية نصاً مقدساً. فأياً كان ما كان يُقال في الشعائر، فقد قِيل ولم يُكتب. ولا توجد إنجيل ميثرائي، ولا لاهوت ميثرائي في صيغة قضوية، ولا صلاة ميثرائية ناجية إلا في شذرات وإعادات بناء. ولدينا ما نُحت على الحجر، وما رُسم على الجصّ، وما كتبه أعداء الديانة في آخر المطاف عنها. وقد أكّد بيك أن هذا الصمت النصّي ليس حادثاً متعلقاً بحفظ التراث، بل سمة بنيوية في الديانة: فقد كانت تُعلّم عبر الأيقونة والشعيرة، لا عبر العقيدة، وفعلت ذلك في فضاءات مغلقة عمداً أمام من هم خارجها 20. والسمة ذاتها التي ساعدت الديانة على النموّ — طابعها المقصور على المنتسبين، وتكثيفها الأيقوني، واستقلالها عن أيّ سلطة مركزية — جعلتها هشّة على نحو كارثي حين تبدّلت الأرضية السياسية تحتها.
المدى الجغرافي: الديانة بوصفها خريطة للجيش
إن توزّع معابد ميثراس على رقعة الإمبراطورية هو، عملياً، خريطة للجيش الإمبراطوري في ذروة اتساعه ومدّه نحو الأطراف. فالديانة تتجمّع حيث تتجمّع الفيالق، وتنتشر حيث تنتشر الحاميات الدائمة:
- تخوم الراين-الدانوب (ألمانيا والنمسا والمجر وصربيا ورومانيا اليوم): أكبر تجمّع خارج إيطاليا. أكثر من 150 موقعاً موثّقاً.
- بريطانيا (سور هادريان وشبكة الطرق الجنوبية): معابد سور هادريان في كاراوبرو وهاوستيدز وروتشستر؛ ومعبد فالبروك في لندينيوم.
- إيطاليا (روما وأوستيا وموانئ كامبانيا): أكثر من 60 موقعاً مجتمعةً.
- هسبانيا وغاليا وشمال أفريقيا: متفرقة لكنها متّسقة.
- دورا أوروبوس على الفرات السوري: أقصى معبد ميثرائي ناجٍ شرقاً، أسّسه جندي من الكوهورت التدمري، وأُعيد تشكيله على مراحل حتى الحصار الساساني عام 256 م.
- مصر واليونان: مواقع نادرة جداً؛ ولم يكن للديانة جذور تذكر في القلب الحضري الهلنستي.
المنطق الجغرافي واضح للعيان ولا يحتاج إلى تأويل. ازدهرت الديانة حيث رابط الجنود الرومان لفترات طويلة في بيئات أجنبية غريبة عنهم، حيث تركوا روابط الأسرة والمدينة الاجتماعية وراءهم بألف كيلومتر أو أكثر. وازدهرت أقلّ في القلوب الثقافية القديمة لروما، حيث كانت الديانة المدنية كثيفة بما يكفي لأن تشغل الفضاء الديني الذي كان معبدُ ميثراس سيشغله لولا ذلك التشبّع. كان ميثراس إله الرجال على الطريق، الرجال المنزوعين من جذورهم — أي ذلك الصنف من الرجال الذين كان أقسامُ اليمين عيشَهم اليومي وحرفتهم.
ما الذي كانت الكلفة عليه
طوال معظم عمر هذه الديانة الممتد ثلاثة قرون، كان انتشارها يكاد لا يُكلّف شيئاً من خزينة الدولة أو من مزاج الإمبراطور. لم تكن الميثرائية ديانة دولة معترفاً بها رسمياً. ولم تكن تتطلّب تضحيات من النظام المدني الأوسع، ولا تنازلات منه. وكانت الانتساب طوعياً تماماً، والاجتماعات صغيرة محدودة العدد، والعمارة متواضعة بسيطة، والشعائر تُؤدَّى في فضاءات لا يحتاج أيُّ شخص من خارج الجماعة لدخولها أو الاطّلاع عليها. وحين أثارت المسيحيةُ في القرنين الثاني والثالث اضطهاداً إمبراطورياً متواصلاً ودموياً لأن أعضاءها كانوا يرفضون التضحية المدنية ويفشلون بذلك في التزامهم تجاه الدولة الرومانية، فعلت الميثرائية النقيض تماماً: فقد كان أتباعها جنوداً يؤدّون قسم الولاء المدني بوصفه جزءاً من عملهم اليومي المعتاد، ويسيرون في مواكب «عبقرية» الإمبراطور في الأعياد العامة، ويحملون مذبح ميثراس إلى المعسكر إلى جانب النسور الذهبية. فقد جلست هذه الديانة بارتياح تامّ داخل الترتيبات الدينية للإمبراطورية لأنها لم تُنازعها في شيء.
الكلفة عند توسّع الديانة: منخفضة
من الناحية الداخلية، كانت الديانة إقصائية بصورة قاطعة وحازمة. فلم يكن في وسع النساء أن يدخلن في أيّ من الدرجات السبع، ولا أن يحضرن الطقوس بوصفهن مراقبات، ولا أن يكنّ خادمات في تنظيم الشعيرة. وقد كان ذلك أمراً غير معتاد في المشهد الديني الروماني آنذاك، بل شاذاً عمّا كان سائداً: فأسرار كوبيلي وإيزيس وديونيسوس كانت كلّها تَقبل النساء بالكامل وعلى قدم المساواة مع الرجال، وكانت أسرار إيليوسيس مختلطة الجنسين منذ تسعة قرون متّصلة. وكان الإقصاء متعمّداً، لا عرضياً، وهو من السمات الجوهرية البنيوية للديانة لا من فروعها الطارئة. أمّا الكلفة التي تكبّدتها نساء جماعات الجنود الرومان — أن يُمنعن من الجماعة الدينية الرئيسية التي يشارك فيها أزواجهن وإخوتهن وأبناؤهن من جيل إلى جيل — فلا توجد لها وثيقة مكتوبة، لأنها ليست من نوع الكلفة التي يُسجّلها السجلّ النقشي بطبيعته 21. ونحن نسجّلها هنا بوصفها حقيقة بنيوية بشأن الديانة، ونحفظ صمت السجلّ ذاته بوصفه شهادة سلبية. وكذلك الأطفال لا يَظهرون في النقوش الميثرائية إلا في وقت متأخر جداً من تاريخ الديانة: ثمة إشارات متفرقة إلى صبية في درجة كوراكس في نقوش من الحقبة الأخيرة فحسب، غير أن الديانة كانت في جوهرها جماعةً دينية ذكورية بالغة طوال فترة توسّعها الرئيسية ومراحلها الكلاسيكية.
أمّا ما أخذته الديانة من الرجال الذين انضمّوا إليها فهو المال والوقت والكتمان. فقد كان معبد ميثراس يحتاج إلى تمويل؛ والوجبة الطقسية تحتاج إلى تأمين مؤونتها؛ والشعائر تتطلّب ساعات كان من الممكن أن تُقضى في وجوه أخرى. وتسجّل التذكارات أحياناً ما كان كلفة المساهمة الفردية — فدفع باتر في أوستيا، في منتصف القرن الثاني، نفقات بناء معبد ميثراس من ماله الخاص، وأدرج النفقة في النقش التذكاري. وبمقاييس الإحسان الديني الروماني، كان هذا مالاً ضئيلاً. فالخيرات المدنية الأوسع لذلك العصر — تمويل الحمّامات والمسارح والمعابد على يد المتبرّعين من طبقتَي الشيوخ والفرسان — كانت تحرّك مبالغ تفوقه بدرجتين أو ثلاثة من حيث الحجم.
الكلفة عند نهاية الديانة: كلية
الكلفة التي دفعتها الديانة لقاء انقراضها في نهاية المطاف كانت انقراضها ذاته بأكمله. فابتداءً من ثمانينيات القرن الرابع، ومع تسارع الوتيرة بعد مراسيم ثيودوسيوس الأول لعامَي 391 و392 م التي حظرت كل تضحية وثنية في أرجاء الإمبراطورية، شرعت الجماعات المسيحية في عموم الإمبراطورية في إغلاق المعابد الوثنية بصورة منهجية ممنهجة. أمّا معابد ميثراس، فإن تفرّقها الجغرافي وانعدام دفاعها في قاعاتها تحت الأرضية المنعزلة جعلها من أكثر الأهداف هشاشة وأسهلها مَنالاً. ويُصنّف كتاب إيبرهارد زاور «أركيولوجيا الكراهية الدينية في العالم الروماني وأوائل العصور الوسطى» (2003) الشواهد الأثرية تفصيلاً موقعاً بموقع. والنمط ثابت لا يتبدّل: التمثال الطقسي يُحطَّم، في الغالب وجهه إلى الأرض في إذلال متعمّد؛ والمذبح يُقلَب رأساً على عقب؛ والمقاعد تُكسَّر إلى شظايا؛ وأحياناً تُملأ الحجرة عمداً بالأنقاض والركام، ويُسدّ المدخل بجدار مرتفع، ويُبنى فوقها مباشرة بناء مسيحي يعلن انتصار الدين الجديد 22.
القائمة طويلة وموجعة في تفاصيلها. ففي كاراوبرو على سور هادريان، أُحرق المعبد بالكامل، ودُمّر التمثال الطقسي؛ وتؤرَّخ طبقة الدمار الأثرية بأواخر القرن الرابع بصورة محدّدة. وفي ساربروكن في جرمانيا العليا، نُهب معبد ميثراس، وقُطّعت توروكتونيّته أشلاء متفرّقة؛ وعُثر على رأس المنحوتة مدفوناً منفصلاً عن جسدها في موقع آخر. وفي كونزينغ على الدانوب، قُطع رأس التمثال الطقسي بضربة واحدة. وفي حواريت بسوريا، شُوّهت اللوحات الجدارية بفعل أدوات حادّة، وهُجرت الحجرة إلى الأبد. أمّا معبد فالبروك في لندن، فقد جرى تعديله عبر مراحل متعدّدة في الحقبة الأخيرة من عمره، ودُفن تمثال الديانة في نهاية المطاف تحت أرضية المعبد بعناية — ربما على يد منتسبين يحاولون حمايته من حُطّامي الأيقونات المسيحيين القادمين، أو ربما على يد المسيحيين أنفسهم في طقس دفن مُتعمَّد للإله المهزوم بوصفه نهاية رمزية له 23. وفي سان كليمنتي بروما، نجا معبد ميثراس لأنه طُمر تحت كاتدرائية مسيحية حفظت قاعاته السفلية بوصفها أساساً لها. وفي سانتا بريسكا بالأفنتين، هُجر البناء، وتُركت اللوحات الجدارية للتآكل التدريجي بفعل الرطوبة، وأُحكم إغلاق الحجرة في وجه الزائرين.
وبحلول عام 410 م، كانت الديانة قد انقرضت فعلياً في الإمبراطورية الغربية. أمّا من نجا منها في الشرق فقد صمدوا بضعة عقود إضافية في مواقع هامشية. وبحلول منتصف القرن الخامس، كانت الديانة التي وقفت ذات يوم إلى جانب سول إنفيكتوس في المؤتمر التتراركي قد انطفأت بوصفها تقليداً حياً. ولم تَنقرض ديموغرافياً — فلم يُقتَل أتباعها، والرجال الذين كانوا سينتسبون إليها عام 420 م انضمّوا ببساطة إلى الكنيسة بدلاً منها. بل انقرضت بوصفها منظومة. فتعليمات الطقس، ومعنى التوروكتوني، والصلوات التي كانت تُتلى عند الوجبة الطقسية — لم يُكتب شيء من ذلك قط، وحين مات آخر باتر دون أن يُنتسب من يخلفه، انقطعت السلسلة.
الانقراض النصّي
هذه هي الكلفة التي اضطر علم الآثار وعلم الأديان إلى التعايش معها طوال خمسة عشر قرناً متّصلة. نحن نعلم أن نحو 1,000 نقش ميثرائي قد نجا حتى اليوم من بطون التراب. ونعلم أن نحو 400 معبد ميثرائي موثّقون أثرياً عبر مدى الإمبراطورية. ونعلم كيف كانت تبدو الصورة الطقسية، لأن م. ج. فيرماسرين قد جمع 1,022 نموذجاً منها في «مدوّنة نقوش وآثار الديانة الميثرائية» (1956-1960)، التي لا تزال المرجع المعياري الذي يستند إليه الباحثون بعد أكثر من ستين عاماً على نشرها 24. غير أننا لا نعلم ماذا كان يعتقد المنتسبون بشأن ميثراس في قرارة أنفسهم — إلا عن طريق الاستنتاج من الأيقونة، والفضاء الطقسي، ومجادلة الأعداء المتأخّرة. ليس لدينا صلاة ميثرائية مكتوبة بخطّ يد منتسب. ليست لدينا عظة ميثرائية قُيّدت في طومار. ليس لدينا أيّ شيء كتبه منتسب قطّ عمّا كان عليه الانتقال من كوراكس إلى نِمفوس، ولا عمّا كان يُقال عند وَسْم الجبهة بالحديد المُحمى، ولا عمّا كان يُفهَم أن الخبزَ المُكرَّس يكون في تلك اللحظة.
أمّا كتاب أتيليو ماستروتشينكي «أسرار ميثراس: رواية مختلفة» (دار مور سيبيك، 2017) والقوس الطويل من أعمال بيك، فيمضيان كلاهما عبر ضرب من الأركيولوجيا السلبية — أي عبر ما لا يمكن أن تكون عليه الديانة، بالنظر إلى ما تقوله النقوش، وما تُظهره الأيقونات، وما تتيحه العمارة 25. وهو عمل دقيق وبطيء. بعد ألفي عام من ذروة الديانة، لا نزال نحاول إدراك ما كانت عليه. هذا هو ما يبدو عليه الانقراض بالاستبدال في السجلّ التاريخي: المصنوعات تبقى، أمّا المعنى فلا.
ما الذي خلّفته الميثرائية في الديانة التي حلّت محلّها
ورثت الديانة التي حلّت محلّ الميثرائية بعضاً من سماتها السطحية الظاهرة، وإن جرّدتها من سياقها اللاهوتي الأصلي. وأكثر ما يُستشهد به هو تاريخ الخامس والعشرين من ديسمبر بوصفه عيد الشتاء المركزي. أمّا الشكل المعماري للبازيليكا — قاعة طويلة، ومقاعد جانبية، وصورة بؤرية في الطرف البعيد — فليس ميثرائياً، غير أن الاستخدام المسيحي المبكر للقاعات تحت الأرضية للعبادة السرّية له موازيات بنيوية مع معبد ميثراس اعترف بها آباء الكنيسة أنفسهم. وأمّا معجم الدرجات — «ميلس المسيح» («جندي المسيح») للمؤمن العادي، و«باتر» («الأب») للكاهن — فيستقي من سجلَّي الجيش الروماني والديانة الميثرائية في آن واحد. أمّا ما إذا كانت هذه استعارات مباشرة أم حلولاً متقاربة لمشكلات رعوية مماثلة، فأمر مختلف عليه.
أمّا ما لم ترثه هذه الديانة الجديدة فهو لاهوت ميثراس بحدّ ذاته. لقد ضاع الثور كرمز جوهري. وضاعت القراءة الفلكية للكون — إن صحّ ما رآه أولانزي في تأويله الجريء. وضاع صعود النفس عبر الأفلاك الكوكبية السبع في صيغته الميثرائية الأصلية، وإن استمرّ في الكتابة الفلسفية الأفلاطونية المحدثة، وسيعود إلى الظهور في التصوف الأنطوني المتأخر والقرون الوسطى بشكل مغاير تماماً. وضاعت ليتورجيا الباتر الخاصة بكلماتها وحركاتها. وما يبقى في النهاية هو الحاوية الفارغة من مضمونها: الغرفة على هيئة كهف، والمقاعد الطويلة، والمشهد على الجدار الخلفي — والصمت الطويل بعد ذلك إلى يومنا هذا.
ما تلا ذلك
-
-67بومبيوس يقمع القراصنة الكيليكيين عام 67 ق.م: يُفيد بلوتارخوس، الكاتب نحو عام 100 م، بأن القراصنة «كانوا يؤدّون طقوساً سرية معيّنة، لا تزال طقوس ميثراس منها محفوظة إلى يومنا هذا» — وهي أقدم إشارة سردية إلى طقس ميثرائي في مصدر يوناني-روماني.
-
79بركان فيزوف يثور عام 79 م: تُطمَر جدارية ميثرائية مجزأة في بومبي إلى جانب معبد لإيزيس، فتُثبَّت أقدم شواهد أثرية رومانية مؤرَّخة لهذه الديانة. وفي الجيل ذاته، تظهر نقوش تذكارية في كارنونتوم على الدانوب.
-
200التوسّع الميثرائي عبر الجيش الإمبراطوري، نحو 165-250 م: تتتبّع الديانة الفيالقَ خلال سنوات طاعون أنطونينوس وأزمة القرن الثالث، وتبلغ التخوم الراينية-الدانوبية، وسور هادريان، وشمال أفريقيا، ودورا أوروبوس على الفرات.
-
274أوريليان يرفع سول إنفيكتوس إلى مكانة إمبراطورية عام 274 م: تتلقّى الشمس التي لا تُقهر معبداً رومانياً كبيراً وعيد ميلاد في الخامس والعشرين من ديسمبر، أي «ناتاليس سوليس إنفيكتي». ويقف ميثراس، في هذه المرحلة وقد بات مُعرَّفاً تعريفاً تاماً بسول، قرب مركز الحياة الدينية في أواخر العهد الإمبراطوري.
-
308الإهداء التتراركي في كارنونتوم عام 308 م: يُعيد ديوقلديانوس وغاليريوس وليكينيوس ترميم معبد ميثراس، ويُهدونه إلى «الإله الشمس الذي لا يُقهر ميثراس، حامي إمبراطوريّتهم» — وهي أعلى مكانة سياسية بلغتها هذه الديانة، قبل أقلّ من عشرين عاماً من معركة جسر ميلفيوس التي خاضها قسطنطين.
-
391مراسيم ثيودوسيوس تحظر التضحيات الوثنية، 391-392 م: تُحظَر كل العبادات العامة غير المسيحية، ويُؤمَر بإغلاق المعابد. وعبر الإمبراطورية، تبدأ معابد ميثراس بالتدنيس، وتُحطَّم التماثيل الطقسية، وتُسدّ القاعات بالجدران. ويوثّق فهرس إيبرهارد زاور الأثري هذا النمط تفصيلاً.
-
420هجر آخر معابد ميثراس، نحو 410-450 م: تخفت معابد ميثراس الغربية بحلول أوائل القرن الخامس؛ ويصمد آخر من في الشرق منها بضعة عقود إضافية في مواقع هامشية. وينقطع السجلّ النصّي. ولم يَعُد أيّ منتسب يكتب قطّ عمّا كانت تعنيه الشعيرة.
-
1960فيرماسرين يُصدر «مدوّنة نقوش وآثار الديانة الميثرائية»، 1956-1960: فهرس من مجلّدين يضمّ نحو 1,022 أثراً ونقشاً، مرتّبة جغرافياً من بريطانيا إلى دورا أوروبوس. ويبقى المرجع المعياري لكلّ ما خلّفته هذه الديانة وراءها.
أين يعيش هذا اليوم
المراجع
- Beck, Roger. The Religion of the Mithras Cult in the Roman Empire: Mysteries of the Unconquered Sun. Oxford: Oxford University Press, 2006. en
- Schmidt, Hanns-Peter. "MITHRA i. Mitra in Old Indian and Mithra in Old Iranian." Encyclopaedia Iranica, online edition, 2006. en
- Gershevitch, Ilya. The Avestan Hymn to Mithra. University of Cambridge Oriental Publications 4. Cambridge: Cambridge University Press, 1959. en primary
- Beck, Roger. "Mithraism." Encyclopaedia Iranica, online edition, originally published 2002. en
- Roller, Lynn E. In Search of God the Mother: The Cult of Anatolian Cybele. Berkeley: University of California Press, 1999. en
- Cumont, Franz. Textes et monuments figurés relatifs aux mystères de Mithra. 2 vols. Brussels: H. Lamertin, 1894–1899. fr
- Beck, Roger. The Religion of the Mithras Cult in the Roman Empire: Mysteries of the Unconquered Sun. Oxford: Oxford University Press, 2006, p. 27. en
- Gordon, Richard L. "Franz Cumont and the Doctrines of Mithraism." In: J. R. Hinnells (ed.), Mithraic Studies: Proceedings of the First International Congress of Mithraic Studies, Vol. 1. Manchester: Manchester University Press, 1975, pp. 215–248. en
- Plutarch. Life of Pompey, 24.5. In: Plutarch's Lives, Vol. V. Translated by Bernadotte Perrin. Loeb Classical Library 87. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1917. en primary
- Clauss, Manfred. The Roman Cult of Mithras: The God and his Mysteries. Translated by Richard Gordon. New York: Routledge, 2001 [original German edition: Mithras: Kult und Mysterium. Stuttgart: Konrad Theiss Verlag, 1990]. en
- Vermaseren, M. J., and C. C. van Essen. The Excavations in the Mithraeum of the Church of Santa Prisca in Rome. Leiden: Brill, 1965. en primary
- Vermaseren, M. J. Corpus Inscriptionum et Monumentorum Religionis Mithriacae. 2 vols. The Hague: Martinus Nijhoff, 1956–1960. en primary
- Beck, Roger. "Ritual, Myth, Doctrine, and Initiation in the Mysteries of Mithras: New Evidence from a Cult Vessel." Journal of Roman Studies 90 (2000): 145–180. en primary
- Beck, Roger. Beck on Mithraism: Collected Works with New Essays. Aldershot: Ashgate, 2004. en
- Tertullian. De Praescriptione Haereticorum, 40. In: Tertullian: The Five Books Against Marcion and Other Treatises. Translated by Peter Holmes. Ante-Nicene Christian Library. Edinburgh: T. & T. Clark, 1870. en primary
- Ulansey, David. The Origins of the Mithraic Mysteries: Cosmology and Salvation in the Ancient World. New York: Oxford University Press, 1989. en
- Beck, Roger. The Religion of the Mithras Cult in the Roman Empire: Mysteries of the Unconquered Sun. Oxford: Oxford University Press, 2006, pp. 154–189. en
- Hijmans, Steven E. Sol: The Sun in the Art and Religions of Rome. 2 vols. PhD dissertation, University of Groningen, 2009. en
- CIL III 4413 (Carnuntum dedication, 308 CE). In: Corpus Inscriptionum Latinarum, vol. III. Berlin: Akademie der Wissenschaften, 1873. la primary
- Beck, Roger. The Religion of the Mithras Cult in the Roman Empire: Mysteries of the Unconquered Sun. Oxford: Oxford University Press, 2006, pp. 16–40. en
- Clauss, Manfred. Mithras: Kult und Mysterium. Stuttgart: Konrad Theiss Verlag, 1990. de
- Sauer, Eberhard. The Archaeology of Religious Hatred in the Roman and Early Medieval World. Stroud: Tempus, 2003. en
- Shepherd, John D. The Temple of Mithras, London: Excavations by W.F. Grimes and A. Williams at the Walbrook. London: English Heritage Archaeological Report 12, 1998. en primary
- Vermaseren, M. J. Corpus Inscriptionum et Monumentorum Religionis Mithriacae. 2 vols. The Hague: Martinus Nijhoff, 1956–1960. en primary
- Mastrocinque, Attilio. The Mysteries of Mithras: A Different Account. Tübingen: Mohr Siebeck, 2017. en