كوش ابتكرت كتابتها الخاصة نحو 300 ق.م، ولغتها ما تزال ضائعة
ثلاثة وعشرون علامة، اقتُطعت من الديموطيقية المصرية ومن الهيروغليفية، لكنها رُكِّبت على تصميم لا يدين لمصر بشيء، منحت مملكة كوش أقدم لغة مكتوبة أصيلة في أفريقيا جنوب الصحراء. فكَّ فرانسيس غريفيث رموز الكتابة سنة 1909. وبعد أكثر من قرن، يظل معظم ما تقوله عصيًّا على الفهم.
ظل ملوك كوش ألف سنة ينقشون سِيَر حكمهم بالمصرية، وهي لغة لم يتكلمها أحد في مروي. وحوالي 300 ق.م توقف البلاط المروي عن ذلك. أخذ كتبته أشكال العلامات من الديموطيقية المصرية ومن الهيروغليفية، وطرحوا النظام القائم خلفها، وبنوا للغتهم أبجدية مقطعية من ثلاث وعشرين علامة، فيها حروف علة وفاصل بين الكلمات لم تعرفهما المصرية قط. إنها أقدم كتابة للغة أفريقية أصيلة، وقد عملت ستمائة سنة. ثم تفكك الملك في القرن الرابع الميلادي، فماتت الكتابة معه. استعاد غريفيث أصوات الحروف سنة 1909. أما النصوص الباقية، ونحو ألفين منها، فيمكن النطق بها، ولا يمكن قراءة معظمها.
قبل ذلك: مملكة كانت تكتب بلغة لا تتكلمها
نحو 330 ق.م، أمر ملك من كوش اسمه نستاسن بأن تُنقش سيرة حكمه على لوح من الغرانيت يزيد ارتفاعه على متر ونصف المتر. تسجل اللوحة اعتلاءه العرش في نبتة، ورحلة إلى معبد آمون في جبل بركل، وهبات من الماشية والذهب، وحملات على أعداء في الشمال والشرق. وهي من أغزر الوثائق الباقية من القرن الأخير في عصر نبتة الكوشي، وهي مكتوبة بالمصرية: لغةً مصرية، وهيروغليفية مصرية، وصيغًا مصرية، وُضعت لبلاط على النيل الأوسط لم يكن كلامه يشبه المصرية في شيء.1011 ويحمل الحجر اليوم رقم 2268 في المتحف المصري ببرلين.
لم يكن نستاسن مقلدًا، بل وارثًا لعادة كتابية عمرها ألف سنة. فقد كان حكام كوش يكتبون بالمصرية قبل أن يحكموا مصر، ومنذ نحو 727 ق.م حكموها فعلًا: أدار بعانخي وشباكا وشبتكو وتهارقا النيلَ من الدلتا إلى الشلال الخامس بوصفهم الأسرة الخامسة والعشرين، وأداروه بالمصرية، وبألقاب مصرية، وآلهة مصرية، وحجر مصري.1011 ولما دفع الآشوريون كوش جنوبًا في ستينيات القرن السابع قبل الميلاد، انسحب البلاط إلى نبتة ثم إلى مروي، وظل يكتب بالمصرية ثلاثمائة سنة أخرى، بعد أن تبخر كل سبب سياسي لذلك بزمن طويل.
هذه هي الحال التي ابتُكرت الكتابة المروية في مواجهتها. لا الأمية، ولا العزلة، بل دولة قارئة كاتبة، ذات آثار تذكارية، قائمة على المعبد، تملك كتبةً محترفين، ظلت ألف سنة تدون ملوكها وآلهتها وحروبها بلغة غريبة.
ألف سنة من المصرية على حجر كوشي
ليست المدونة النبتية حفنة نصوص مشتقة، بل أدب ملكي معتبر، وكل أثر كبير باق منها مكتوب بالمصرية.
تروي لوحة انتصار بعانخي، المنقوشة نحو 727 ق.م والمستخرجة من معبد آمون في جبل بركل، الفتحَ الكوشي لمصر في أكثر من مائة وخمسين سطرًا من المصرية الوسطى المتقنة، بكل تقاليد التقوى الطقسية في رواية حملة فرعونية. وتبين لوحة اختيار أسبلتا، من المعبد نفسه، بالمصرية، كيف اختار الإله آمون النبتي ملكًا من بين الإخوة الملكيين. وترك حرسيوتف ونستاسن كل منهما حولياتٍ مصرية مطولة لحكمه.1011 وهذه وثائق كوشية عن سياسة كوشية، أُنتجت لجمهور كوشي، بلغة كان لا بد من تعليمها.
وذلك التعليم كان بحد ذاته مؤسسة. فقد كانت الكتابة المصرية في كوش تُصان بتدريب الكتبة في المعابد وباتصال متواصل بمصر، وكانت باهظة تمامًا كما تكون المعرفة المتخصصة الموروثة باهظة: تتركز في طبقة ضيقة، وتتوقف على بلوغ النماذج، وتتدهور متى رقَّ الاتصال. وبحلول القرن الرابع قبل الميلاد كان الشرطان يتآكلان: لم تكن كوش قد حكمت مصر منذ ثلاثمائة سنة، وكانت مصر إلى الشمال على وشك أن تصير بطلمية بإدارة يونانية.
ما استطاعته الكتابة المصرية وما عجزت عنه
خدمت الكتابة المصرية كوش خدمة حسنة في العرض العلني، وخدمة رديئة فيما عدا ذلك. فالنقش الملكي الهيروغليفي يعلن الشرعية بالنحو البصري الذي يعرفه وادي النيل كله. غير أنه لم يكن قادرًا على تدوين اللغة الكوشية، وهي التي كان الناس في مروي يتكلمونها ويتقاضون بها ويصلون ويسمون أبناءهم.
ويظهر التوتر في الحجر. فالنصوص الملكية الكوشية في أواخر عصر نبتة تبتعد باطراد عن النحو المصري الكلاسيكي، إذ ينحني ترتيب كلماتها وبناؤها الفعلي تحت ضغط اللغة الأولى للكتبة.10 وكانت أسماء الأعلام تُقحم قسرًا في إملاء بُني لصوتيات أخرى. أما الأغلبية الساحقة مما تحتاج مملكة إلى تدوينه، من إيصال، واسم على قبر، وأمر إلى حامية، ونسب امرأة، فلم يكن ثمة سبب لأن يكون بالمصرية، ومن ثم لم يكن يُدوَّن في الغالب، بحسب ما يظهره السجل الأثري.
الدولة التي كانت على وشك أن تغير رأيها
بحلول 300 ق.م كان مركز الثقل الكوشي قد انتقل انتقالًا حاسمًا جنوبًا إلى مروي، على الضفة الشرقية للنيل بين الشلالين الخامس والسادس، في حزام السافانا الذي تسقيه الأمطار، حيث كانت الماشية والذرة الرفيعة والحديد ممكنة على نحو لم يكن ممكنًا في نبتة.11 ولم تكن المملكة التي ستطلب الكتابة الجديدة هامشية، بل كانت تدير:
- اقتصاد حديد ومعادن في مروي، من الضخامة بحيث ظلت أكوام خبثه أبرز معالم الموقع
- مجمعات معابد تذكارية في النقعة والمصورات الصفراء، بُنيت على برنامج معماري كوشي لا مصري
- جبانات ملكية بأهرام في مروي، فيها من الأهرام أكثر مما في مصر كلها
- تجارة بعيدة المدى شمالًا إلى مصر البطلمية وشرقًا نحو البحر الأحمر، في الذهب والعاج والأبنوس والحيوان
- نظام وراثة أمومي تملك فيه الكنداكة، أخت الملك وأم الوريث، سلطة قائمة بذاتها، وتستطيع أن تحكم بلقب قوري، وهو اللقب نفسه الذي يحمله الملوك الذكور1011
وقد ترك هذا النظام الأخير أثرًا غير متوقع. فقد نقل المتكلمون باليونانية كنداكة إلى Κανδάκη، ولاتينيًا Candace؛ ويرسل كاتب سفر أعمال الرسل في القرن الأول الميلادي الرسولَ فيلبس للقاء خصي من كبار موظفي «كنداكة ملكة الحبشة»، ظنًّا منه أن لقب منصب مروي اسم شخص.18 وهكذا فإن أكثر إشارة إلى مملكة كوش قراءةً في الأدب العالمي هي ترجمة خاطئة لكلمة مروية.
مروي في القرن الثالث قبل الميلاد
كانت المدينة التي طلبت الكتابة قائمة في البطانة، ذلك السهل العشبي بين النيل وعطبرة، حيث تجعل أمطار الصيف الزراعةَ ممكنة دون اعتماد كامل على الفيضان. وضم حيها الملكي قصورًا ومعبدًا لآمون على تخطيط مصري ومجمعًا للحمامات، وعلى بعد كيلومتر شرقًا كان يقوم معبد الشمس. وارتفعت ثلاث جبانات أهرام على التلال المشرفة على المدينة، ولا تزال أكوام خبث الحديد المجاورة لها، بعد ألفي سنة، أول ما يراه الزائر.11
وفي البطانة حفر المهندسون الكوشيون الحفائر، وهي خزانات دائرية ضخمة، لحبس الأمطار للماشية والاستيطان. وفي المصورات الصفراء بنوا السور الكبير، وهو مجمع متشعب من الأفنية والمنحدرات والقاعات ذات الأعمدة، لا نظير له في مصر ولا وظيفة متفقًا عليها له. وفي النقعة رفعوا معابد لآمون ولأبادماك، الإله ذي رأس الأسد، وهو كوشي لا مصري البتة.1011
وإلى الشمال كانت مصر قد صارت بطلمية. فقد أدارت الأسرة اليونانية المقدونية الجديدة في الإسكندرية بيروقراطية ثنائية اللغة، يونانية وديموطيقية، ودفعت نطاقها الحدودي جنوبًا إلى الدوديكاسخوينوس، وأرسلت البعثات على ساحل البحر الأحمر لاصطياد أفيال الحرب، فوضعت كوش في اتصال دائم بدولة تدير نفسها بلغة وتتعبد بأخرى على نحو ظاهر.1011
ومملكة لها آلهتها وهندستها وقانون وراثتها وعاصمتها، إذ ترى جارًا يدير كتابتين في آن واحد، قررت أنها تحتاج إلى كتابة خاصة بها.
الانتقال: أخذ الأدوات ورفض اللغة
لم يكن ما حدث في القرن الثالث قبل الميلاد اقتراضًا للكتابة، بل كان إعادة تركيب. فقد دخل الكتبة المرويون إلى مخزون العلامات المصري، وأخذوا ما احتاجوه، ونبذوا النظام الذي تنتمي إليه تلك العلامات، وبنوا شيئًا مختلفًا بنيويًّا عن أبويه.
مستويان ونظام واحد
توجد النتيجة في صورتين، والعلاقة بينهما عكس ما تتوقعه الغريزة المصرياتية.
| المستوى | مشتق من | يُستعمل في | نسبته من المدونة |
|---|---|---|---|
| الخط المروي المتصل | الديموطيقية المصرية | اللوحات الملكية والإدارة والنصوص الجنائزية والأوستراكا والبرديات والكتابات الجدارية | نحو 90% |
| الهيروغليفية المروية | الهيروغليفية المصرية | العرض التذكاري في المعبد والملكية | نحو 10% |
جاء الخط المتصل أولًا، بفارق قرن أو أكثر، وحمل العبء الأثقل منذ البداية، بما في ذلك النقوش الملكية التذكارية التي كان يُتوقع فيها خط عرض ومظهر.12 أما المجموعة الهيروغليفية فأُنشئت بعده نظيرًا وجيهًا لها، علامةً بعلامة، في تقابل واحد لواحد مع الحروف المتصلة.1 وهذا عكس التسلسل المصري، حيث تتقدم الهيروغليفية وتكون الأشكال المتصلة اختصارًا لها. بنت كوش خط العمل أولًا وخط الاحتفال ثانيًا، وفي ذلك بيان للغرض من المشروع.
وكما يقرأ لاسلو تُرك الأدلة، فإن نشوء الكتابة المروية دفعت إليه «ضرورة تواصل ملكي تذكاري وعرض يسهل بلوغه»، أي دولة تحل مشكلة تواصل، لا معبدًا يسعى إلى غاية طقسية.10
ثلاث وعشرون علامة
يضم النظام الذي بناه الكتبة ثلاثًا وعشرين علامة، وفي بنيته يكمن الاستقلال:
- خمس عشرة علامة صامتة، تحمل كل واحدة منها حركة كامنة /a/ حين ترد وحدها
- أربع علامات لحروف العلة، هي a وe وi وo، ولا تُكتب a إلا في أول الكلمة
- أربع علامات مقطعية، هي ne وse وte وto، وهي صوامت ملتحمة بحركة غير كامنة
- فاصل بين الكلمات من نقطتين أو ثلاث، يفصل الكلمات على نحو لم تعرفه الكتابة المصرية12
ومبدأ الحركة الكامنة هذا هو القطيعة الحاسمة. فالهيروغليفية والديموطيقية المصريتان كانتا تكتبان الصوامت وتتركان الحركات للاستنتاج. أما المروية فتكتب الحركات على نحو منهجي، بعلامة أساس تتضمن واحدة منها وعلامات معدِّلة تنسخها. وهذه بنية الأبجدية المقطعية، أي الأبوجيدا، وهي تقرِّب المروية نمطيًّا من البراهمية وذريتها الهندية أكثر مما تقربها من أي من الكتابتين المصريتين اللتين نُسخت منهما علاماتها ماديًّا.2 ولا يوجد أي دليل على اتصال بين مروي وشبه القارة الهندية يفسر ذلك؛ بل بلغ تقليدان كتابيان الحلَّ نفسه استقلالًا، على بعد آلاف الكيلومترات، في القرن ذاته تقريبًا.
ويستحق الفاصل بين الكلمات ملاحظة خاصة. فالمصرية كانت تصل علاماتها وتترك التقطيع لمعرفة القارئ باللغة. أما المروية فتؤشره صراحة. وهو أمر صغير يقول شيئًا كبيرًا: صُممت الكتابة ليستعملها من لا يعرف سلفًا ما يقوله النص.

تأريخ الابتكار
التسلسل الزمني متنازع عليه في أطرافه وثابت في وسطه.
| نقطة الارتكاز | التاريخ | الوضع |
|---|---|---|
| أقدم نقش متصل قابل للتأريخ (اسم الملك أرنخاماني) | نحو 220 ق.م | كتابة مكتملة البنية أصلًا |
| أقدم النقوش الهيروغليفية المروية (عهد تانيداماني) | نحو 150 ق.م | ترسخ المستوى التذكاري |
| اللوحة النذرية لتانيداماني، متحف والترز للفنون 22258 | نحو 100 ق.م | نص ملكي مطول بالكتابة الجديدة |
| نقش إهداء المعبد F لشاناكداخيتو، النقعة | تقليديًّا نحو 170-150 ق.م، وأعاد ريي (2004) تأريخه إلى مطلع الميلاد | محل خلاف |
ظلت نقوش شاناكداخيتو زمنًا طويلًا تُعد أقدم شواهد الكتابة المروية المعروفة. غير أن مراجعة كلود ريي الخطية أزاحتها نحو قرن إلى الأمام، بحجة أن أشكال حروفها تنتمي إلى نصوص أمانيريناس المؤرخة تأريخًا موثوقًا، لا إلى مواد القرن الثاني.12 والنتيجة ليست أن الكتابة أحدث عهدًا، إذ لا يمس ذلك خط أرنخاماني المتصل نحو 220 ق.م، بل أن أقدم نص باق هو أصلًا منتج ناضج. أما الطور التجريبي الذي أنتجه فلم يُعثر عليه.
ومن ثم فإن التاريخ التقليدي للابتكار، نحو 300 ق.م، استنتاج من كتابة مكتملة البنية مشهودة بعد ثمانين سنة، لا من مسودة أولى مؤرخة.123
من فعل ذلك، وتحت أي ضغط
لا يسمي أي مصدر الشخص أو الأشخاص الذين صمموا الكتابة المروية. فليس ثمة نظير كوشي لمقدمة هونمين جونغ-إم الكورية، ولا مرسوم ملكي بالإعلان، ولا توقيع كاتب. أما ما يمكن إثباته فهو الإطار: بيئة بلاط ومعبد كانت الديموطيقية المصرية معروفة فيها معرفةً تكفي لتشريحها، ولحظة سياسية، هي القرن الثالث قبل الميلاد، كانت فيها مصر البطلمية جارًا شماليًّا قويًّا مؤكِّدًا لثقافته، له بيروقراطيته الثنائية اليونانية المصرية.
والنموذج الديموطيقي مهم هنا. فقد كانت الديموطيقية في تلك الحقبة بعينها يد مصر الإدارية العاملة، وخط العقود والحسابات، وهي ديموطيقية مصرية محلية، لا التقليد التذكاري الهيروغليفي، ما أمدَّ الخطَّ المروي المتصل بأشكاله.1 فمن بنوا النظام المروي كانوا يقرأون أوراق مصر الإدارية، لا جدران معابدها فحسب.
القطيعة المنقوشة في العلامات
يجدر التدقيق في مقدار ما بقي من مصر فعليًّا في النظام الجديد، لأن عبارة «مشتق من المصرية» تغري بصورة خاطئة.
كانت الأشكال مصرية، ولم يكن غيرها كذلك تقريبًا. فالقيم الممنوحة للعلامات الهيروغليفية المروية لا صلة لها بالقيم التي تحملها العلامات نفسها في المصرية؛ ولو وقف قارئ متمكن من الهيروغليفية المصرية أمام نقش هيروغليفي مروي لعرف كل حرف وعجز عن قراءة كلمة واحدة.12 وقد بُنيت المجموعة الهيروغليفية نسخًا وجيهًا واحدًا لواحد للحروف المتصلة، ومعنى ذلك أن الخط المتصل، تلك اليد العاملة المشتقة من الديموطيقية، هو النظام، وأن العلامات التذكارية زيّ يستطيع أن يرتديه.1
وكانت المبادئ المنظِّمة جديدة هي الأخرى. فالكتابة المصرية كانت تجمع بين رموز صوتية من صامت وصامتين وثلاثة صوامت وبين مخصِّصات تصنف الكلمة دون أن تُنطق، وهو نظام بلغ مخزونه الكامل مئات العلامات واستغرق إتقانه سنين. أما المروية فلها ثلاث وعشرون علامة، وليس فيها مخصِّصات، وفيها تدوين منهجي للحركات وفصل صريح بين الكلمات.12 ويجري الخط المروي المتصل من اليمين إلى اليسار ومن أعلى إلى أسفل، بينما تضع الكتابة التذكارية علاماتها في أعمدة تُقرأ من أعلى إلى أسفل وتُرتَّب من اليمين إلى اليسار.1
لم يبسِّط الكتبة الكوشيون المصرية، بل تخلوا عن معمارها واحتفظوا بأثاثها.
من كان يقرؤها
يرجّح توزع النصوص الباقية معرفةً بالقراءة والكتابة أوسع بكثير مما حلَّت محله من معرفة باللغة المصرية. فالمروية ترد على اللوحات الملكية وعلى شقف الفخار؛ وفي كتابات الحجاج المحفورة في فيلة والمصورات الصفراء؛ وعلى شواهد قبور موظفي الأقاليم في النوبة السفلى، على بعد مئات الكيلومترات من العاصمة.19 وفي كرانوج، وهو مركز إقليمي كان يحكمه في القرنين الثاني والثالث الميلاديين موظف يسمى البشتو، كانت جبانة كاملة من اللوحات وموائد القرابين المنقوشة بالمروية قيد الاستعمال لدى نخبة محلية غير ملكية.146
ولا يجعل شيء من ذلك كوش المروية مجتمعًا واسع التعلّم؛ فلم يكن في العالم القديم مجتمع كهذا. لكن التدرج مهم. فكتابة من نحو عشرين علامة، بفاصل صريح ويد متصلة مصممة للحبر، يمكن تعليمها لكاتب حامية أو موظف معبد على نحو يستحيل في الإنشاء بالمصرية الوسطى. والدليل على هوية من كانوا يكتبون، من كهنة وحكام أقاليم ومحاسبين ومعزّين، يشير إلى أن هذا بالضبط ما جرى.
ما تغيّر وما حلّ محله
أرشيف بصوته الخاص
بعد قرن أو قرنين من ابتكارها، كانت الكتابة قد بلغت كل موضع تبلغه عادةً كتابة الدولة. وتبلغ المدونة الباقية نحو ألفين إلى ألفين وثلاثمائة نص، نُشر منها نحو ألف وستمائة في Répertoire d'épigraphie méroïtique.91 ويرسم تركيبها ثقافة كتابية عاملة لا استعراضية:
| النوع | الطابع |
|---|---|
| اللوحات الجنائزية وموائد القرابين | نحو نصف المدونة؛ استدعاءات صيغية لإيزيس (Wos) وأوزيريس (Asor)، واسم المتوفى ونسبه، وألقابه، وبركة ختامية تسأل الآلهة الماء والخبز ووجبة طيبة |
| اللوحات والحوليات الملكية | ما لا يقل عن أربع وعشرين، منها أثر تانيداماني ذو الـ161 سطرًا وارتفاع 1.6 متر، ولوحتا حمداب لأمانيريناس وأكينيداد |
| الأوستراكا الإدارية | حسابات وسجلات قرابين وتمارين عددية، معظمها من قصر إبريم |
| البرديات والرقوق | نادرة، ولم تُحفظ إلا في قصر إبريم تقريبًا، حيث أنقذ جفاف القلعة المواد العضوية |
| كتابات المعابد الجدارية | مئات من نقوش الحجاج في فيلة وكوة والمصورات الصفراء |
وتتضمن نشرة يوخن هالوف لأكثر من سبعمائة نص مروي من قصر إبريم، على أوستراكا وبردي وخشب وحجر ورق وقرع، أوستراكونًا أمكن منه إعادة بناء النظام العددي المروي.16 ومملكة تحتفظ بتمارين حساب على شقف الفخار لا تكتب للأجيال، بل تكتب ليوم الثلاثاء.
الملكات اللواتي كتبن أنفسهن
أثقل ما فعلته الكتابة الجديدة أثرًا أنها أتاحت لكوش أن تروي حروبها بنفسها.
ففي عشرينيات القرن الأول قبل الميلاد أغارت قوات كوشية على مصر الرومانية، وأخذت أسوان، وأسقطت تماثيل أوغسطس؛ فغزا الوالي غايوس بترونيوس غزوًا مضادًا، ونهب نبتة، وفرض شروطه. ويمنح سترابون، الكاتب باليونانية عن مصادر رومانية، الحملةَ ملكةً عوراء يسميها كنداكة، ويعامل الأمر كله بوصفه نجاحًا تأديبيًّا.17 وظل ذلك تسعة عشر قرنًا الرواية الوحيدة.
أما لوحة حمداب، وهي أثر من الحجر الرملي ارتفاعه 2.37 متر يحمل خمسة وأربعين سطرًا بالخط المروي المتصل، استخرجه جون غارستانغ في مروي شتاء 1913-1914 وهو اليوم EA 1650 في المتحف البريطاني، فهي النص الكوشي عن الحقبة نفسها، إذ تسمي القوري أمانيريناس وأكينيداد تحت إفريز يصور الحاكمين أمام آمون وموت.15 وتحدد قراءة ريي لرفيقتها المجزوءة REM 1039 المواضعَ التي قاتل فيها بترونيوس المرويين: أسوان وقصر إبريم ونبتة.21 ولا يسلم الحجر روايته كاملة. غير أن وجوده يغير حال الأدلة تغييرًا دائمًا: ثمة تقرير كوشي عن الحرب الرومانية، بكلمات كوشية، وسبب وجوده قرار اتُّخذ قبل ذلك بقرنين، هو بناء كتابة.

الأسماء والأمهات وما تقرر الكتابة الاحتفاظ به
ليست نظم الكتابة أوعية محايدة. فما تستطيع ثقافة تدوينه بكلفة زهيدة تدوّنه، وما تدوّنه يشكّل ما يبقى منها.
والصيغة الجنائزية المروية أوضح مثال. فشكلها المعياري يستدعي إيزيس وأوزيريس، ويسمي المتوفى، ويسمي أمه وأباه، ويعدد ألقابه وألقاب أقاربه البارزين، ويختم ببركة تسأل الآلهة الماء والخبز ووجبة طيبة.16 ولأن الصيغة ثابتة والمدونة كبيرة، فهذه أفضل الوثائق المروية فهمًا على الإطلاق؛ ولأنها تضع النسب في المركز، تحفظ المدونة سجلًّا نسبيًّا كثيفًا لمجتمع منظَّم على الأمومة، تحمل فيه الذرية من جهة الأم حقَّ الوراثة.1011
وأسماء الأعلام هي البقية الأخرى. فقد كان الإملاء المروي قادرًا على كتابة الأسماء الكوشية كما تُنطق فعلًا، دون إقحامها في الصوتيات المصرية، فكانت الحصيلة عدة آلاف من أسماء الأعلام المروية المشهودة، وهي من أكبر المدونات الأسمائية التي خلّفها مجتمع أفريقي قديم. وتظل مصدرًا رئيسًا لصوتيات اللغة وللنقاش في انتمائها اللغوي.34
وفي المقابل يقف ما لم تحفظه الكتابة. فليس ثمة نص أدبي مروي بمعنى السرد التخييلي، ولا مدونة قوانين، ولا رسالة فلسفية، ولا دليل ثنائي اللغة للغرباء. وهل وُجد ذلك وهلك على مواد قابلة للفناء، أم لم يُكتب قط، سؤال لا تحسمه الأدلة الراهنة، وهو حدٌّ يُذكر ولا يُملأ.
ما أزاحه الانتقال
لم تدخل الكتابة الجديدة حقلًا خاليًا، بل حلّت محل مؤسسة عاملة.
- انهارت المصرية بوصفها لغة السجل الملكي. فقد تراجع النقش الملكي بالمصرية تراجعًا حادًّا حالما وُجد مستوى تذكاري مروي، وتقف لوحة نستاسن نحو 330 ق.م قرب نهاية التقليد.1011
- فقدت طبقة الكتبة القارئين بالمصرية احتكارها. فالكفاءة في المصرية إرث متخصصين يُصان بتدريب المعابد والاتصال بمصر؛ أما الكفاءة في أبجدية مقطعية من ثلاث وعشرين علامة بفاصل صريح فمهارة أرخص اكتسابًا في الأساس.
- لم تُطرح الصيغ الدينية المصرية بل أُعيد ترميزها. فالاستدعاء الجنائزي ما زال يخاطب إيزيس وأوزيريس، لكنه يفعل ذلك بكلمات مروية وبأسماء مروية للآلهة.16
- سُلِّمت القابلية للقراءة من الخارج. فأي أحد في شرق المتوسط كان يستطيع أن يجد قارئًا لنص مصري. أما المروية فلم يكن يقرؤها أحد خارج كوش، وتبين لاحقًا أن أحدًا بعد كوش لم يقرأها كذلك.
وهذا البند الأخير هو مفصل الانتقال. فالاختيار الذي منح كوش صوتًا مكتوبًا خاصًّا هو نفسه الاختيار الذي جعل سجلها قابلًا للفناء.
ما كانت الكلفة
الفاتورة: أدب لا يمكن قراءته
يمكن قراءة الكتابة المروية، ولا يمكن فهم اللغة المروية في معظمها.
فك فرانسيس لويلين غريفيث رموز الكتابة بين 1909 و1911، عاملًا على قاعدة مركب مقدس تحمل أسماء ملكية بالمروية وبالهيروغليفية المصرية معًا، وعلى النقوش المتصلة الدائرة حول حواف موائد القرابين في مروي وغيرها. افترض أن النصين المتقابلين يقولان الشيء نفسه، فطابق بينهما حرفًا بحرف، وأثبت اتجاه القراءة من اليمين إلى اليسار، واستعاد القيم الصوتية للمخزون كله تقريبًا؛ وحدد الطابع الأبجدي المقطعي للنظام سنة 1911، والصوامت المقطعية سنة 1916.786 ولا يزال مجلده Karanòg الصادر سنة 1911، الناشر لنقوش شبلول وكرانوج المروية، نشرةً عملية بعد قرن.6
أما ما لم يستطع غريفيث توفيره فهو نص ثنائي اللغة. فليس ثمة حجر رشيد مروي، أي نص مطول محفوظ بالمروية وبلغة معروفة معًا، وبغيره تشتري القيمُ الصوتية النطقَ لا المعنى.12 وبعد أكثر من قرن بقليل على فك الرموز، كان في وسع ريي أن يكتب أن الصرف المروي «كان، ولا يزال في معظمه، أرضًا مجهولة».5
وكان التقدم منذ ذلك الحين حقيقيًّا وبطيئًا. فبرهان ريي على أن المروية تنتمي إلى الفرع السوداني الشرقي الشمالي من النيلية الصحراوية، إلى جانب النوبية والنارا والتاما والنييما، منح الحقلَ لأول مرة أسرةً من الأقارب الأحياء الموثقين تُختبر عليها القراءات.34 وبدأت النظائر تتساقط: المروية qore، أي «ملك»، إلى جانب النوبية القديمة ourou؛ وkdite، أي «أخت»، إلى جانب صيغة نوبية أولى معاد بناؤها.4 وصارت الصيغ الجنائزية اليوم مفهومة إلى حد بعيد لأنها تتكرر.1 أما الحوليات الملكية، وهي النصوص التي كانت ستخبرنا بما ظنت كوش أنها تفعله، فأقلها فهمًا جميعًا، لأنها لا تتكرر.
النصوص الأخيرة
تفككت المملكة في القرن الرابع الميلادي بفعل مزيج من الضغط العسكري الأكسومي وتحول طرق التجارة والتفكك الداخلي. ولم تصمد الصيغة القديمة القائلة إن الملك عيزانا الأكسومي دمّر كوش: فدراسة جورج هاتكه للأدلة الأكسومية والنوبية تذهب إلى أن «أكسوم لم تحمل السلاح على كوش إلا في القرن الرابع الميلادي، وحتى حينئذ يبدو أن النزاع اتصل أساسًا بمسائل أمنية على حدود أكسوم الغربية»، وأن الوهم السياسي بحكم أكسومي لكوش عمّر أطول من أي سيطرة فعلية.13 وأيًّا كان ما أنهى مروي، فقد انتهت الكتابة معها، لكن لا فورًا ولا بترتيب.
| النص | التاريخ | الظرف |
|---|---|---|
| الطاس البرونزي من الهوبجي (REM 1222) | نحو 350م | آخر نقش هيروغليفي مروي معروف، صُنع لحاكم من العصر التالي لمروي |
| النقش الجداري لملك البلميين خارامادوي، معبد كلابشة (REM 0094) | نحو 410-450م | آخر نقش ملكي بالخط المروي المتصل، أمر به ملك غير كوشي |
| كتابات كهنة إيزيس من أسرة سِمِتي، فيلة | 452م | آخر النصوص المروية، معاصرة لآخر النقوش الديموطيقية المصرية |
وكان الحكام البلميون ومن جاء بعد مروي، إذ ظلوا يستعملون الكتابة، يرفعون دعوى: المروية لغة الحكم الشرعي على النيل الأوسط، والكتابة بها إعلان بوراثة مروي.1 ولم ينقذ ذلك الكتابة.
فقد بدأت الممالك الوارثة من الصفر. فحين نظمت الدول النوبية المسيحية، نوباتيا والمقرة وعلوة، كتابتها في القرون التالية، لم تُحيِ المروية، بل بنت النوبية القديمة على الأبجديتين اليونانية والقبطية، وهما الكتابتان اللتان جاءتا مع المسيحية، ولم تحتفظ من الخط المروي المتصل إلا بثلاث علامات: ne وwa وعلى الأرجح kha.1 وهذه البقايا الثلاث دليل بذاتها، فالحرف المقترض لا بد أن يُقترض ممن لا يزال يعرفه؛ ووجودها يقتضي معرفة عملية بالكتابة المروية استمرت إلى القرن الثامن على الأقل، أي بعد أجيال من آخر نص مؤرخ.1
ومع ذلك فالحساب قاسٍ. فتقليد كتابي عمره ستمائة سنة، مبني على نموذج يكبره بألف سنة، اختُزل في الانتقال إلى ثلاثة حروف وذكرى. وجاء كل ما عدا ذلك في النوبية القديمة من المتوسط، وصار كل ما كُتب بالمروية، في مرحلة ما بين القرنين الخامس والثامن، غير مقروء لمن يعيشون حيث كُتب.
الكلفة التأريخية
ثم درس الملفَّ زمنًا طويلًا جدًّا اختصاصيون غير مناسبين.
فقد حفر المادة النوبية وفهرسها وفسّرها في الأغلب الساحق علماء مصريات كان مركزهم المهني في أسفل النهر. وويليام ي. آدامز، الذي يظل كتابه Nubia: Corridor to Africa (1977) التركيبَ المرجعي في الحقل، وضع كتابه صراحةً تصحيحًا نوبي المركز لأدبيات مصرية المركز عاملت التاريخ النوبي بوصفه أساسًا انعكاسًا باهتًا لأحداث الشمال.12 والعنوان الذي اختاره، corridor أي الممر، يقرّ بالمشكلة في اللفتة نفسها التي يسميها بها: فالممر مكان يُعبر منه.
وكانت النتيجة العملية للمروية قرنًا من الإهمال النسبي. فقد وقع فك رموز غريفيث سنة 1909؛ أما البرهان على أن للغة أقارب يمكن التعرف عليهم، ومن ثم منهجًا مقارنًا صالحًا للاستعمال، فجاء في العقد الأول من الألفية.34 وبين التاريخين كان الحقل صغيرًا، مزمن نقص التمويل، منظمًا حول افتراض أن كوش ولاية من ولايات علم المصريات لا موضوع قائم بذاته. وهذه كلفة غير مجازية، بل عقود من نحوٍ لم يُكتب.
المدونة مفكَّكة
لم تنجُ سليمةً من حفّاريها الأدلةُ التي نجت من زوال كوش.
ففي سنة 1834 استأجر طبيب عسكري إيطالي اسمه جوزيبي فرليني، بعد أن حصل على إذن من الحاكم العام العثماني المصري، عمالًا لتفكيك الهرم N6 في مروي، وهو قبر الكنداكة أمانيشاخيتو، من قمته نزولًا. فوجد حجرة من حلي الذهب والفضة، وبشهادته هو فكك خمسة أو ستة أهرام في أثناء بحثه؛ أما موجة التقليد الأوسع التي أطلقها اكتشافه فأتلفت نحو أربعين.19 واشترى الملك لودفيغ الأول ملك بافاريا تسعين قطعة سنة 1840، وهي اليوم في المتحف الحكومي للفن المصري بميونخ؛ واقتنى المتحف الملكي في برلين الباقي قبل 1844 بتوصية من كارل ريتشارد لبسيوس وكريستيان بونزن. وسجل لبسيوس نفسه، إذ زار مروي في أبريل 1844، النتيجة قائلًا: «لا يزال اكتشاف فرليني في أذهان الجميع، وقد أحال غير هرم إلى خراب».19
وكانت الحفريات المحترفة التي تلت أفضل، وطاردةً عن المركز بالقدر نفسه. فقد حفر ليونارد وولي وديفيد راندال ماكايفر جبانةَ كرانوج ومدينتها المرويتين في النوبة السفلى بين 1907 و1911 لحساب بعثة إيكلي ب. كوكس التابعة لمتحف جامعة بنسلفانيا؛ فذهبت النقوش المروية إلى غريفيث في أكسفورد، وذهبت اللقى إلى فيلادلفيا والقاهرة.146 وذهبت لوحة حمداب التي أخرجها غارستانغ إلى لندن.15 أما Répertoire d'épigraphie méroïtique، وهي المدونة التي يعمل منها كل دارس للمروية، فهي في الواقع إعادة تركيب ورقية لأرشيف مادي موزع بين برلين وميونخ ولندن وفيلادلفيا وبوسطن والخرطوم والقاهرة.9
النوبة تحت الماء
بين 1963 و1965 أغرق خزان السد العالي في أسوان النوبة السفلى. فغرقت أكثر من سبع وعشرين قرية سودانية ومدينة وادي حلفا؛ ونُقل نحو خمسين ألف نوبي سوداني مسافة 800 كيلومتر شرقًا إلى خشم القربة، وأُعيد توطين أعداد مماثلة من النوبيين المصريين شمالًا. وأنقذت حملة اليونسكو الدولية لإنقاذ آثار النوبة، وهي أول عملية إنقاذ من نوعها، ما أمكن رفعه، وسجلت ما لم يمكن رفعه.
والحساب هنا يجب أن يكون دقيقًا، لأن نصفيه صحيحان معًا. فقد أنتجت الحملة كمًّا هائلًا من آثار العصر المروي ما كان ليُحفر أبدًا لولاها؛ فقصر إبريم، الذي جاء منه كل بردي مروي معروف تقريبًا، عُمل فيه تحت رعايتها منذ 1963.16 وهي في الوقت نفسه أزالت نهائيًّا المجتمعات النوبية الحية من المشهد الذي شغله أسلافهم منذ حكمته مروي، ووضعت ما بقي دون حفر تحت بحيرة. والذين هُجّروا هم السلالة المنحدرة من الثقافة التي كان يجري إنقاذها.
اللغات التي يتوقف عليها الاسترداد
في المنهج المقارن الذي يحقق أخيرًا تقدمًا في المروية مفارقة ختامية.
فالأقارب التي تمنح إعادة البناء قوة جرّها لغات حية: المجموعة النوبية في وادي النيل ودارفور وكردفان، ولهجات النارا في غرب إريتريا، والتاما في وداي ودارفور، والنييمانغ والأفيتي في جبال النوبة.34 وهي، مع استثناءات قليلة، لغات صغيرة تحت ضغط ديموغرافي وسياسي، تتكلمها مجتمعات في مناطق شهدت الحرب أو الإغراق أو إعادة التوطين في حياة الأحياء. وكان متحدثو النوبية النيلية بين من هُجّروا في 1963-1965؛ ومجتمعات جبال النوبة في قلب النزاعات السودانية منذ ثمانينيات القرن العشرين.
والخلاصة العلمية غير مريحة وتستحق أن تُقال: استرداد أقدم لغة مكتوبة في أفريقيا جنوب الصحراء يتوقف على بقاء وتوثيق أقل بنات عمومتها الحيّات توثيقًا. وكل لغة من تلك اللغات تبقى بلا وصف تضيّق القاعدة المقارنة لقراءة مروي.
الخرطوم، 2023-2025
الحلقة الأحدث ليست تاريخية.
بدأت الحرب الأهلية السودانية في 15 أبريل 2023. ووقع المتحف القومي السوداني بالخرطوم، الذي كان يضم أكبر مجموعة مروية في العالم، داخل النطاق الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع. ولما استعادت القوات المسلحة السودانية الحي وأمكن إجراء تقييم للأضرار في 24 مارس 2025، كانت خزنة المتحف قد أُفرغت من مجموعة الذهب كلها، وأُخذت آلاف القطع، ونُهبت أكثر من 500 ألف قطعة في المخازن، وحُطّم بعضها عمدًا. وقالت إخلاص عبد اللطيف، مديرة المتاحف في الهيئة القومية للآثار والمتاحف، لصحيفة The Art Newspaper: «كان الأمر فظيعًا، فظيعًا حقًّا. أنا حزينة جدًّا. نحن نبكي».20
وكان بين المقتنيات نحتٌ كوشي ونقوش مروية، أي المدونة المادية التي يتوقف عليها أي فك رموز مقبل. وكل حجر يُنقل دون تسجيل نصٌّ لن يمكن إعادة قراءته حين تُسترد اللغة أخيرًا.
ما يُجرَّب الآن
لم يتوقف العمل، وقد تغير شكله.
فاللسانيات المقارنة تظل المحرك الرئيس: فبوضع المروية داخل السوداني الشرقي الشمالي، صار بالإمكان اختبار إعادة بناء النوبية الأولى والتاما الأولى والنييما الأولى على الصيغ المروية بدل تخمينها.34 وتواصل الإبيغرافيا إضافة النصوص، فمجلدات هالوف عن قصر إبريم وحدها نشرت أكثر من سبعمائة.16 وبدأت المناهج الحاسوبية تُطبَّق: فقد جمع جوشوا أوتن وأنطونيوس أناستاسوبولوس أول مدونة مروية مقروءة آليًّا، وأجريا تجارب محاذاة عبر اللغات بين المروية والمصرية المتأخرة، فصاغا المشكلة أمام حقل لم يعاملها قط بوصفها مسألة حاسوبية. وصياغتهما للصعوبة دقيقة: المروية «متصلة بالمصرية من وجوه كثيرة»، ومع ذلك «يظل قسم كبير من نحوها ومعجمها غير مفكوك».22
ولا يغني شيء من ذلك عن الشيء غير الموجود. فنص واحد مطول ثنائي اللغة، مرويّ يوناني أو مرويّ مصري، لو عُثر عليه غدًا في مروي أو قصر إبريم أو النقعة، لفعل في أسبوع أكثر مما فعله قرن من العمل المقارن. واحتمال وجود نص كهذا في مكان ما من النيل الأوسط غير المحفور ليس ضئيلًا. أما احتمال أن يكون آمنًا في الأرض، في بلد يدخل عامه الثالث من الحرب الأهلية، فمسألة أخرى.
ما لا يدّعيه هذا الملف
ثلاثة حدود ينبغي ذكرها صراحة.
فتاريخ نحو 300 ق.م اصطلاح لا واقعة موثقة: إذ أقدم نص متصل قابل للتأريخ هو نص أرنخاماني نحو 220 ق.م، وهو مكتمل البنية أصلًا.12 ولم يبق شيء من طور التصميم.
ونهاية مملكة كوش غير محسومة. فالحملات الأكسومية في القرن الرابع الميلادي حقيقية، ومراجعة هاتكه لمداها وغرضها لم تُنقض؛ وما الذي قتل مروي بوصفها دولة يظل سؤالًا علميًّا حيًّا تدخل فيه التجارة والبيئة والتفكك الداخلي بقدر ما تدخل الحرب.13
كما يفصل إطار الكلفة هنا بين أمرين يسهل الخلط بينهما. فتعذّر قراءة المروية نتيجة للانتقال: إذ إن كتابةً للغة لم يكتبها أحد غيرها متعذرة القراءة على الجميع بحكم بنائها. أما نسف المدونة وتصديرها وإغراقها ونهبها فليست نتائج للانتقال، بل هي ما جرى للأدلة بعده، وهي محسوبة هنا لأن موضوع هذا الملف مدونة كتابية وبقاؤها، لا لأن قرارًا كتابيًّا في القرن الثالث قبل الميلاد تسبب في مطاردة كنوز في القرن التاسع عشر.
الفاتورة
لم يقتل الانتقال نفسه أحدًا. فلم تُخَض حرب من أجل الكتابة المروية؛ ولم يُستعبَد سكان لإنتاجها؛ ولم تُدمَّر مؤسسة لإفساح المجال لها، سوى احتكار كتابي بلغة أجنبية كان من حق دولة ذات سيادة أن تنهيه. وهو، إذا حُكم عليه بوصفه فعلًا، من أنظف ما في هذا الأطلس: مملكة على أطراف إمبراطورية قارئة كاتبة بنت نظام كتابتها الخاص، للغتها الخاصة، واستعملته ستمائة سنة.
أما الفاتورة فحلّ أجلها بعد ذلك، وحلّ بالعملة الوحيدة التي يتعامل بها هذا الملف: القابلية للقراءة. فنحو ألفي نص باقٍ من حضارة كتبت بلغة لم يستردها أحد كاملة. وصيغها الجنائزية تُقرأ لأنها تتكرر؛ وتاريخها لا يُقرأ لأنه لا يتكرر. فقد فكّكت مطاردةُ الكنوز في القرن التاسع عشر القبورَ التي جاءت منها النصوص، وأغرقت هندسةُ القرن العشرين الإقليمَ الذي حفظ البرديات، وأفرغت حربُ القرن الحادي والعشرين المتحفَ الذي حفظ الباقي.
كتبت كوش نفسها بنفسها. كان ذلك القرار الصحيح، اتُّخذ لأسباب وجيهة، وبفضله لدينا أصلًا رواية كوشية عن الحرب الرومانية. وهو أيضًا سبب أن الأدب مات مع موت الدولة، وسبب أن الاسترداد، إن جاء، سيكون فعل إعادة بناء لا فعل قراءة.
ما تلا ذلك
-
-220تُنقش أقدم كتابة مروية متصلة قابلة للتأريخ، وتحمل اسم الملك أرنخاماني، نحو 220 ق.م. والكتابة فيها مكتملة البنية أصلًا، ولم يبق شيء من طور تصميمها.
-
-150تظهر الهيروغليفية المروية في عهد تانيداماني نحو 150 ق.م، وقد أُنشئت بعد الخط المتصل بوصفها نظيره التذكاري، علامةً بعلامة، وهو عكس التسلسل المصري الذي تتقدم فيه الهيروغليفية.
-
-24في عشرينيات القرن الأول قبل الميلاد تغير قوات كوشية على مصر الرومانية، فيردّ الوالي غايوس بترونيوس بغزو مضاد ونهب نبتة. ولوحة حمداب، للقوري أمانيريناس وأكينيداد، وهي 45 سطرًا بالخط المروي المتصل وتحمل اليوم رقم EA 1650 في المتحف البريطاني، هي الرواية الكوشية لتلك الحرب إلى جانب رواية سترابون الرومانية.
-
350الطاس البرونزي من الهوبجي (REM 1222)، المصنوع نحو 350م لحاكم من العصر التالي لمروي، يحمل آخر نقش هيروغليفي مروي معروف.
-
452ينقش كهنة إيزيس من أسرة سِمِتي في فيلة آخر الكتابات المروية سنة 452م، في زمن آخر النقوش الديموطيقية المصرية. ولا يكتب أحد بالمروية بعد ذلك.
-
1834يفكك جوزيبي فرليني من القمة الهرم N6 في مروي، وهو قبر الكنداكة أمانيشاخيتو، ويحمل ذهبه. ويذكر بنفسه أنه هدم خمسة أو ستة أهرام، بينما أتلفت موجة المقلدين التي أثارها اكتشافه نحو أربعين. بيع الكنز إلى ميونخ سنة 1840 وإلى برلين قبل 1844.
-
1909يفك فرانسيس لويلين غريفيث رموز الكتابة المروية بين 1909 و1911 اعتمادًا على قاعدة مركب مقدس تحمل أسماء ملكية بالمروية وبالهيروغليفية المصرية، وعلى النصوص المتصلة الدائرة على حواف موائد القرابين. يستعيد أصوات العلامات كلها تقريبًا، ولا توجد أي مدونة ثنائية اللغة تمنحه المعاني.
-
1963يغرق خزان السد العالي النوبة السفلى بين 1963 و1965. تختفي وادي حلفا وأكثر من 27 قرية سودانية، ويُنقل نحو خمسين ألف نوبي سوداني مسافة 800 كيلومتر شرقًا إلى خشم القربة. وتحفر حملة اليونسكو قصر إبريم، ومنه يأتي كل بردي مروي معروف تقريبًا.
-
2007يضع كتابا كلود ريي La langue du royaume de Méroé (2007) وLe méroïtique et sa famille linguistique (2010) المرويةَ في الفرع السوداني الشرقي الشمالي من الأسرة النيلية الصحراوية، ويمنحان الحقل أخيرًا أقارب موثقين، هم النوبية والنارا والتاما والنييما، تُختبر عليها القراءات.
-
2025يخلص تقييم الأضرار في المتحف القومي السوداني بالخرطوم يوم 24 مارس 2025 إلى اختفاء مجموعة الذهب كلها من الخزنة، وسرقة آلاف القطع، ونهب أكثر من 500 ألف قطعة في المخازن، وتحطيم بعضها عمدًا. وكان المتحف يضم أكبر مجموعة مروية في العالم.
أين يعيش هذا اليوم
المراجع
- Rilly, Claude. "Meroitic Writing." In Willeke Wendrich (ed.), UCLA Encyclopedia of Egyptology. Los Angeles: University of California, Los Angeles. en
- Rilly, Claude, and Alex de Voogt. The Meroitic Language and Writing System. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. ISBN 978-1-107-00866-3. en
- Rilly, Claude. La langue du royaume de Méroé: un panorama de la plus ancienne culture écrite d'Afrique subsaharienne. Bibliothèque de l'École pratique des hautes études, Sciences historiques et philologiques 344. Paris: Honoré Champion, 2007. ISBN 978-2-7453-1582-3. fr
- Rilly, Claude. Le méroïtique et sa famille linguistique. Afrique et Langage 14. Leuven: Peeters, 2010. ISBN 978-90-429-2237-2. fr
- Rilly, Claude. "Personal Markers and Verbal Number in Meroitic." Dotawo: A Journal of Nubian Studies 7 (2020). Source of the quoted phrase that Meroitic morphology "was — and mostly remains — a terra incognita." en
- Griffith, F. Ll. Karanòg: The Meroitic Inscriptions of Shablûl and Karanòg. Eckley B. Coxe Junior Expedition to Nubia, vol. VI. Philadelphia: University Museum, University of Pennsylvania, 1911. en primary
- Griffith, F. Ll. Meroitic Inscriptions, Part I: Sôba to Dangêl. Archaeological Survey of Egypt, Memoir 19. London: Egypt Exploration Fund, 1911. Issued with J. W. Crowfoot, The Island of Meroë. en primary
- Griffith, F. Ll. Meroitic Inscriptions, Part II: Napata to Philae and Miscellaneous. Archaeological Survey of Egypt, Memoir 20. London: Egypt Exploration Fund, 1912. en primary
- Leclant, Jean, André Heyler, Catherine Berger-el Naggar, Claude Carrier, and Claude Rilly. Répertoire d'épigraphie méroïtique: Corpus des inscriptions publiées. 3 vols. Paris: Académie des Inscriptions et Belles-Lettres / de Boccard, 2000. fr primary
- Török, László. The Kingdom of Kush: Handbook of the Napatan-Meroitic Civilization. Handbuch der Orientalistik I/31. Leiden: Brill, 1997. en
- Welsby, Derek A. The Kingdom of Kush: The Napatan and Meroitic Empires. London: British Museum Press, 1996. en
- Adams, William Y. Nubia: Corridor to Africa. Princeton: Princeton University Press, 1977. en
- Hatke, George. Aksum and Nubia: Warfare, Commerce, and Political Fictions in Ancient Northeast Africa. ISAW Monographs 2. New York: Institute for the Study of the Ancient World / New York University Press, 2013. ISBN 978-0-8147-6066-6. en
- Woolley, C. Leonard, and David Randall-MacIver. Karanòg: The Romano-Nubian Cemetery. Eckley B. Coxe Junior Expedition to Nubia, vols. III–IV. Philadelphia: University Museum, University of Pennsylvania, 1910. en primary
- Zach, Michael H. "A Remark on the 'Akinidad' Stela REM 1003 (British Museum EA 1650)." Sudan & Nubia 21 (2017): 148–151. en
- Hallof, Jochen. The Meroitic Inscriptions from Qasr Ibrim, 3 vols. (Inscriptions on Ostraka; Inscriptions on Papyri; Inscriptions on Wood, Stone, Parchment and Gourd). Studien zur Rezeption der antiken Kunst / SRaT 9.1–9.3. Dettelbach: J. H. Röll Verlag. en primary
- Strabo. Geography XVII.1.53–54 (the campaign of Gaius Petronius against the Kushites and the queen the Greeks call Candace). In: Jones, H. L. (trans.), The Geography of Strabo, Loeb Classical Library, vol. VIII. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1932. en primary
- Acts of the Apostles 8:26–39 (the eunuch official of "Candace, queen of the Ethiopians" — the Meroitic royal title kdke read by the Greek author as a personal name). en primary
- Lepsius, Karl Richard. Briefe aus Ägypten, Äthiopien und der Halbinsel des Sinai. Berlin: Wilhelm Hertz, 1852. English translation by Leonora and Joanna B. Horner, Discoveries in Egypt, Ethiopia and the Peninsula of Sinai (London: Richard Bentley, 1852), p. 216, for the remark on Ferlini's find and the ruin of the pyramids. de primary
- Hickley, Catherine. "'We are crying': heritage authorities express sorrow after Sudan National Museum looted and ransacked." The Art Newspaper, 1 April 2025. Quotes Ikhlas Abdel Latif, director of museums at Sudan's National Corporation for Antiquities and Museums. en
- Rilly, Claude. "Fragments of the Meroitic Report of the War Between Rome and Meroe." Paper presented at the 13th International Conference for Nubian Studies, Neuchâtel, September 2014. HAL halshs-01482774. en
- Otten, Joshua, and Antonios Anastasopoulos. "Towards Ancient Meroitic Decipherment: A Computational Approach." In Proceedings of the Second Workshop on Ancient Language Processing, 87–98. Association for Computational Linguistics, 2025. en