تتجه المجتمعات التي تشيخ إلى رفع سن التقاعد، لكن الصحة والمهارات والتمييز العمري توزع القدرة على العمل لسنوات أطول على نحو غير متكافئ. ما تقوله الأدلة من اليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا.
حساب قوة عاملة تتقلص
لماذا تطلب المجتمعات الغنية كلها بهدوء من الناس البقاء في العمل
بلغ عدد من هم في سن 65 فما فوق عام 2025 نحو 33 شخصا مقابل كل 100 في سن العمل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وسيرتفع هذا العدد إلى 52 بحلول عام 2050 [1]. ولم يعد العمل لسنوات أطول خيارا حياتيا يدور حوله جدل هامشي، بل صار الافتراض المالي الافتراضي لكل اقتصاد متقدم تقريبا ✓ حقيقة مثبتة.
تتلخص الإجابة المختصرة عن السؤال الذي يتناوله هذا التقرير في أن العمل لسنوات أطول بات واقعا قائما، وأن له قيمة اقتصادية حقيقية، وأنه أبعد كثيرا عن أن يكون متاحا للجميع بالتساوي كما تفترض الحكومات. فقد ارتفع معدل التوظيف بين من تتراوح أعمارهم بين 60 و64 عاما في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بمقدار 21.8 نقطة مئوية ليبلغ 56.5% عام 2024 [2]، فيما تشغل اليابان اليوم 53.6% من كل من تتراوح أعمارهم بين 65 و69 عاما [3] ✓ حقيقة مثبتة. غير أن القدرة على العمل حتى أواخر الستينيات لا يحددها تاريخ الميلاد، وإنما توزعها الصحة والتعليم والمهنة وأحكام مديري التوظيف المسبقة. ومن ثم فإن السياسات التي ترفع سن التقاعد بصورة موحدة تنقل كلفة التحول الديموغرافي إلى كاهل أقل الناس قدرة على تحملها. ويعرض ما تبقى من هذا التقرير الأدلة على كل جزء من هذه الأطروحة: الحساب الديموغرافي، والاقتصاد، وبيانات التمييز، وقيود الصحة والمهارات، وما تعلمته الدول صاحبة أكبر القوى العاملة سنا، كاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والدنمارك وألمانيا وغيرها، من كونها سبقت سواها إلى هذا الطريق.
لنبدأ بالحساب، لأنه لا يرحم. إذ يتوقع تقرير المنظمة «لمحة عن المعاشات 2025» (Pensions at a Glance 2025) أن يتراجع عدد السكان في سن العمل في الدول الأعضاء بنسبة 13% خلال السنوات الأربعين المقبلة، وبأكثر من 30% في اليابان وكوريا الجنوبية وإيطاليا وإسبانيا واليونان وبولندا وسلوفاكيا ودول البلطيق [1] ✓ حقيقة مثبتة. وفي كوريا الجنوبية يتجه معدل إعالة المسنين إلى الارتفاع بنحو 50 نقطة [1]. وتتوقع هيئة الإحصاء الكورية أن ينكمش عدد السكان من 52 مليونا إلى 36.2 مليون نسمة بحلول عام 2072، وأن تبلغ نسبة من هم في سن 65 فما فوق حينئذ 47.7%، وأن يقفز معدل الإعالة الإجمالي من 42.5 إلى 118.5 [4] ✓ حقيقة مثبتة. بعبارة أخرى، سيفوق عدد المعالين في كوريا الجنوبية مطلع سبعينيات هذا القرن عدد من هم في سن العمل. وليست هذه فرضيات بعيدة، فقد دخلت كوريا الجنوبية رسميا مرحلة المجتمع فائق الشيخوخة في 23 ديسمبر 2024، حين بلغ عدد المقيمين الذين تجاوزوا 65 عاما 10.24 مليون نسمة، أي 20% من السكان [5].
وتسير الصورة العالمية على المنحنى نفسه، وإن بتأخر زمني. إذ يتوقع تقرير الأمم المتحدة «التوقعات السكانية العالمية 2024» (World Population Prospects 2024) أن يبلغ عدد سكان العالم ذروته عند نحو 10.3 مليار نسمة في منتصف ثمانينيات هذا القرن، وأن يفوق عدد من هم في سن 65 فما فوق، وعددهم 2.2 مليار، عدد الأطفال دون الثامنة عشرة بحلول أواخر السبعينيات [6] ✓ حقيقة مثبتة. وقد بلغ عدد السكان ذروته بالفعل في 63 دولة، من بينها الصين وألمانيا واليابان وروسيا، ويتوقع أن ينكمش سكان هذه المجموعة بنسبة 14% خلال السنوات الثلاثين المقبلة [7]. ولم يعد التحول الديموغرافي الذي بدأ في أوروبا واليابان حكرا عليهما، بل أصبح سمة من سمات الاقتصادات متوسطة الدخل أيضا، ولهذا أقرت الصين في سبتمبر 2024 أول رفع لسن التقاعد القانونية منذ خمسينيات القرن الماضي [8]. ويملك المجتمع الذي يتقلص ثلاث أدوات للحفاظ على استقرار الإنتاج والمالية العامة: مزيد من العمال القادمين من الخارج، أو مزيد من الإنتاج لكل عامل، أو مزيد من سنوات العمل لكل فرد. وتلجأ معظم الحكومات اليوم إلى الأدوات الثلاث معا، لكن الثالثة وحدها هي التي تكرس في نصوص القانون.
وتتجلى هذه الأداة الثالثة في أعمار التقاعد التي أقرت تشريعيا بالفعل. فقد بلغ متوسط سن التقاعد العادية في دول المنظمة، أي السن التي يمكن عندها صرف معاش كامل بعد مسيرة مهنية كاملة، 64.7 عاما للرجال و63.9 عاما للنساء ممن تقاعدوا عام 2024، ويتوقع أن يصل إلى 66.4 و65.9 عاما لمن دخلوا سوق العمل عام 2024 [9] ✓ حقيقة مثبتة. وتذهب بعض الدول أبعد من ذلك بكثير، إذ تربط الدنمارك وإستونيا وإيطاليا سن التقاعد بمتوسط العمر المتوقع، ولذلك تتوقع المنظمة أن تبلغ سن التقاعد العادية مستقبلا 74 عاما في الدنمارك و71 في إستونيا و70 في إيطاليا [10]. ومع ذلك تحسب المنظمة أن الزيادات المقرة لا تعوض سوى ما يزيد قليلا على 40% من المكاسب المتوقعة في العمر المتوقع عند سن 65، الذي يرتفع لدى الرجال من 18.5 إلى 22.7 عاما [10] ◈ أدلة قوية. بعبارة أخرى، ستظل فترة التقاعد تطول حتى وهي تبدأ في سن متأخرة.
يتوقع تقرير «لمحة عن المعاشات 2025» أن يرتفع متوسط العمر المتبقي للرجال عند سن 65 من 18.5 إلى 22.7 عاما، في حين لا تستوعب الزيادات المقرة في سن التقاعد سوى ما يزيد قليلا على 40% من هذا المكسب [10]. وتبلغ سن التقاعد العادية لمن بدأوا العمل عام 2024 نحو 66.4 عاما للرجال و65.9 عاما للنساء، مقابل 64.7 و63.9 لمن تقاعدوا في العام نفسه [9]. اتجاه السياسات واضح تماما، غير أن حجم التعديل حتى الآن متواضع.
وقد صاغ الأمين العام للمنظمة ماتياس كورمان (Mathias Cormann) المشكلة عند إطلاق تقرير 2025 بعبارات بنيوية مقصودة، مؤكدا أن شيخوخة السكان تحد بنيوي رئيسي في دول المنظمة، له تداعيات اقتصادية ومالية واجتماعية كبيرة [1]. والجانب المالي هو الأسهل قياسا. ففي المملكة المتحدة يقدر مكتب مسؤولية الميزانية أن رفع سن المعاش الحكومي من 66 إلى 67 عاما، تدريجيا بين 2026 و2028، سيخفض الاقتراض بمقدار 10.5 مليار جنيه إسترليني في السنة المالية 2029-30، ويعود ذلك كله تقريبا إلى أن نحو 820,000 شخص في سن 66 لن يتقاضوا معاشا [11] ✓ حقيقة مثبتة. فكل زيادة بمقدار عام واحد في سن التقاعد تعني، بلغة الميزانية، وفرا كبيرا وفوريا، ولهذا صارت الأداة المفضلة لدى الحكومات.
أما الجانب الاقتصادي فأعسر، لأن سن التقاعد ليست سوى إشارة، ولا تخلق بذاتها وظيفة ولا جسدا سليما ولا صاحب عمل راغبا في التوظيف. وقد عبر صندوق النقد الدولي (IMF) عن ذلك بوضوح في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» (World Economic Outlook) الصادر في أبريل 2025، محذرا من أن رفع سن التقاعد القانونية قد لا يحقق الأثر المنشود في سن التقاعد الفعلية إذا لم يكن العمال الأكبر سنا قادرين جسديا أو ذهنيا على مواصلة النشاط [12] ✓ حقيقة مثبتة. ففي الفجوة بين السن القانونية والسن التي يتوقف عندها الناس عن العمل في الواقع يكمن سؤال السياسات الحقيقي. وتتناول الأقسام التالية هذه الفجوة: من يعمل لسنوات أطول بالفعل، وما قيمة ذلك، ومن يقصى عن سوق العمل، وما الذي تعلمته أكبر القوى العاملة سنا في سبيل سدها.
العمل لسنوات أطول واقع قائم
الرقم القياسي الصامت في توظيف كبار السن
بلغ توظيف العمال الأكبر سنا مستويات قياسية في معظم أنحاء العالم المتقدم. ففي عام 2024 وصل معدل التوظيف في دول المنظمة إلى 75.7% لمن تتراوح أعمارهم بين 55 و59 عاما، وإلى 56.5% لمن هم بين 60 و64 [2]، غير أن المتوسطات تخفي سلما متدرجا من التجارب الوطنية ✓ حقيقة مثبتة.
يبدو الاتجاه العام أقوى مما يوحي به النقاش العام. فبحسب المنظمة، ارتفع معدل توظيف الفئة العمرية من 55 إلى 59 عاما بمقدار 17.1 نقطة مئوية ليبلغ 75.7% عام 2024، فيما ارتفع معدل الفئة من 60 إلى 64 عاما بمقدار 21.8 نقطة ليبلغ 56.5% [2] ✓ حقيقة مثبتة. وبلغ متوسط معدل التوظيف في دول المنظمة لمن هم بين 65 و69 عاما نحو 26.4% [13]. وفي الاتحاد الأوروبي سجل معدل توظيف من تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عاما رقما قياسيا بلغ 65.2% عام 2024 [14] ◈ أدلة قوية. ووصلت السويد، المعيار المرجعي منذ زمن طويل، إلى نحو 78.1% في الفئة العمرية ذاتها، وألمانيا إلى 75.15% [15] [16] ✓ حقيقة مثبتة. وتأتي الدول التي حددت سن التقاعد عند 67 عاما للجنسين، وهي الدنمارك وآيسلندا وهولندا والنرويج، في عداد الدول صاحبة أعلى معدلات التوظيف بين 60 و64 عاما [2]. بعبارة أخرى، ليست سن التقاعد مجرد معامل مالي، بل هي المرساة التي يحدد بها الناس وأصحاب العمل موعد انتهاء الحياة المهنية.
وتقع اليابان في أقصى طرف هذا التوزيع. ففي عام 2024 بلغ عدد العاملين ممن هم في سن 65 فما فوق رقما قياسيا قدره 9.3 مليون شخص، في زيادة سنوية هي الحادية والعشرون على التوالي [3] ✓ حقيقة مثبتة. وسجل معدل التوظيف 53.6% في سن 65 إلى 69، و35.1% في سن 70 إلى 74، و12.0% في سن 75 فما فوق، وكلها مستويات قياسية، فيما بلغ 25.7% لدى مجمل من تجاوزوا 65 عاما [3]. وقبل عقد من ذلك، في عام 2013، لم تكن نسبة العاملين في الفئة من 65 إلى 69 عاما تتجاوز 38.7% [17]. ويشكل كبار السن اليوم 29.4% من سكان اليابان [3]، وقد أعادت البلاد في الواقع تنظيم سوق عملها على أساس توقع أن يواصل معظم الناس العمل حتى أواخر الستينيات. غير أن إعادة التنظيم هذه، كما يبين القسم السادس، جاءت بثمن في الأجور وجودة الوظائف.
وتقدم الولايات المتحدة صورة مختلفة. فقد بلغت نسبة المشاركة في القوة العاملة بين الأمريكيين في سن 65 فما فوق 19.1% عام 2025، أي قرابة واحد من كل خمسة، مرتفعة من 12.9% عام 2000، لكنها دون نسبة 20.2% المسجلة عام 2019 [18] ✓ حقيقة مثبتة. وأفضت الجائحة إلى ما وصفه بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس بالتقاعد الزائد: إذ تقاعد نحو 2.4 مليون أمريكي فوق ما كانت تتوقعه اتجاهات ما قبل الجائحة، وبلغت الفجوة ذروتها قرب 2.8 مليون أواخر عام 2022 [19]. غير أن نسبة التقاعد الزائد هبطت دون الصفر بحلول أواخر 2024 ومطلع 2025، وخلص البنك إلى أن ظروف سوق العمل والتحويلات الحكومية تفسر الجزء الأكبر من تلك الزيادة [20] ◈ أدلة قوية. والشريحة الأسرع نموا هي الأكبر سنا، إذ شكل العمال في سن 75 فما فوق 1.2% من القوة العاملة الأمريكية عام 2023، ويتوقع أن تبلغ نسبتهم 2.1% بحلول عام 2033 [21].
تفيد وزارة الشؤون الداخلية والاتصالات اليابانية بأن معدلات التوظيف بلغت 53.6% في سن 65 إلى 69، و35.1% في سن 70 إلى 74، و12.0% في سن 75 فما فوق، وكلها مستويات قياسية [3]. وفي عام 2013 كان معدل الفئة من 65 إلى 69 عاما 38.7% [17]. ولم يدفع أي اقتصاد كبير آخر الحياة المهنية إلى هذا العمق في الشيخوخة، مما يجعل اليابان أهم تجربة طبيعية لكل مجتمع يسير على خطاها.
وتجسد المملكة المتحدة الخطر المعاكس: أن يخرج اعتلال الصحة كبار السن من سوق العمل أسرع مما تدفعهم سياسات التقاعد إليه. فقد وجد مكتب الإحصاءات الوطنية أن أكثر من 2.5 مليون شخص كانوا خارج النشاط الاقتصادي بسبب أمراض مزمنة عام 2023، بزيادة تفوق 400,000 منذ الجائحة [22] ✓ حقيقة مثبتة. ومن بين غير الناشطين اقتصاديا في سن 50 إلى 64 عاما، أفاد 46% بأنهم يعانون خمس حالات صحية أو أكثر، ارتفاعا من 41% عام 2019 [22]. وترفع بريطانيا سن المعاش الحكومي من 66 إلى 67 عاما بين مايو 2026 ومارس 2028، فيما تدرس مراجعة قانونية ثالثة، أطلقت في يوليو 2025، الانتقال إلى سن 68 [23]. وتبين الحالة البريطانية لماذا لا يجوز قراءة معدلات التوظيف وسن التقاعد بمعزل عن السياق: فرفع سن التقاعد دون صحة تواكبه لا ينتج مزيدا من العمال، بل مزيدا من المنتظرين، بدخول أدنى، لمعاش ابتعد موعده.
وتبرز ثلاثة أنماط من البيانات المقارنة بين الدول. أولها أن توظيف العمال الأكبر سنا يستجيب بقوة لسن التقاعد نفسها: فحين ترتفع السن التي تبدأ عندها الاستحقاقات، يرتفع التوظيف في الأعمار التي تسبقها مباشرة، كما تظهر الأدلة البريطانية في القسم الثالث. وثانيها أن الدول صاحبة أعلى معدلات التوظيف بين 60 و64 عاما تجمع بين سن تقاعد متأخرة وأسواق عمل قوية وترتيبات عمل مرنة ومنظومات نشطة لتعليم الكبار، أي النموذج الشمالي لا النموذج الياباني. وثالثها أن المكاسب تتركز لدى الأصحاء والمتعلمين. ويختبر ما تبقى من هذا التقرير كل نمط من هذه الأنماط في ضوء الأدلة، بدءا بالقيمة الفعلية للعمل لسنوات أطول.
- اليابان: 53.6% ممن تتراوح أعمارهم بين 65 و69 عاما يعملون عام 2024، وهو رقم قياسي [3]
- السويد: نحو 78.1% ممن تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عاما يعملون، وهي من أعلى النسب في دول المنظمة [15]
- ألمانيا: 75.15% ممن تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عاما يعملون عام 2024 [16]
- الاتحاد الأوروبي: نسبة قياسية بلغت 65.2% ممن تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عاما يعملون عام 2024 [14]
- الولايات المتحدة: 19.1% ممن هم في سن 65 فما فوق ضمن القوة العاملة عام 2025 [18]
ما قيمة العمل لسنوات أطول؟
النمو والميزانيات وأسطورة تراجع العامل المسن
يقدر صندوق النقد الدولي أن الشيخوخة الأوفر صحة ستضيف نحو 0.4 نقطة مئوية سنويا إلى النمو العالمي بين 2025 و2050 [12]. الجائزة حقيقية، والسؤال هو كم منها تستطيع سن التقاعد وحدها أن تحصد ◈ أدلة قوية.
تتمثل أهم مساهمة حديثة في هذا النقاش في الفصل الذي خصصه صندوق النقد الدولي لما يسمى الاقتصاد الفضي ضمن تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر في أبريل 2025. فاستنادا إلى بيانات 41 اقتصادا متقدما وناشئا، خلص الفصل إلى أن الشخص الذي كان في السبعين عام 2022 تمتع في المتوسط بالقدرة الإدراكية نفسها التي كانت لشخص في الثالثة والخمسين عام 2000 [12] ✓ حقيقة مثبتة. وجاء التحسن مماثلا على صعيد الوهن الجسدي، إذ بات ابن السبعين عام 2022 يعادل ابن السادسة والخمسين عام 2000 [12]. ثم ربط الفصل هذه المكاسب الصحية بالسلوك: فتحسن إدراكي يعادل عقدا كاملا يقترن بارتفاع يقارب 20 نقطة مئوية في احتمال البقاء في سوق العمل، ونحو ست ساعات عمل إضافية أسبوعيا، ودخل أعلى بنسبة 30% لدى العاملين [12] ◈ أدلة قوية. ومنذ ذلك الحين انتشرت على نطاق واسع العبارة التي اختارها الصندوق لتلخيص النتيجة، «السبعون هي الخمسون الجديدة»، وكثيرا ما يستشهد بها دون التحفظات المرافقة لها.
قد لا يحقق رفع سن التقاعد القانونية الأثر المنشود في سن التقاعد الفعلية إذا لم يكن العمال الأكبر سنا قادرين جسديا أو ذهنيا على مواصلة النشاط، أو إذا تراجعت إنتاجيتهم سريعا مع التقدم في العمر.
— صندوق النقد الدولي، تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، الفصل الثاني، أبريل 2025 [12]الرهانات الاقتصادية الكلية كبيرة. إذ يقدر الصندوق أن التغير الديموغرافي يفسر نحو ثلاثة أرباع التباطؤ المتوقع في النمو العالمي، الذي يضعه عند نحو 1.1 نقطة مئوية دون متوسطه في الفترة 2016-18، ولولا مكاسب الشيخوخة الأوفر صحة لبلغ العجز 1.5 نقطة [12] ◈ أدلة قوية. وتشير تقديرات سابقة صادرة عن القطاع الخاص في الاتجاه ذاته. فقد حسب مؤشر العصر الذهبي (Golden Age Index) الصادر عن شركة PwC عام 2018 أن رفع توظيف العمال في سن 55 فما فوق في دول المنظمة إلى المستويات السويدية سيضيف نحو 3.5 تريليون دولار أمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي لدول المنظمة على المدى الطويل [24] ◈ أدلة قوية. وتعتمد هذه الأرقام على افتراضات بشأن من يستطيع العمل وبأي إنتاجية، وينبغي التعامل معها بوصفها مراتب حجم لا توقعات. لكنها تتفق على الاتجاه: ففي اقتصاد يشيخ، يعد معدل توظيف من تجاوزوا 55 عاما من أكبر العوامل المنفردة المحددة لنصيب الفرد من الناتج.
والأدلة المتعلقة بالمالية العامة أقوى، لأنها مستمدة من إصلاحات فعلية. فحين رفعت المملكة المتحدة سن المعاش الحكومي للنساء من 60 إلى 61 عاما، وجد معهد الدراسات المالية (IFS) أن معدل توظيف النساء في سن الستين ارتفع بمقدار 7.3 نقطة مئوية، أي بنحو 27,000 امرأة إضافية في سوق العمل، وأن توظيف أزواجهن ارتفع بمقدار 4.2 نقطة، مما عزز المالية العامة بنحو 2.1 مليار جنيه إسترليني [25] ✓ حقيقة مثبتة. ولاحظ الاقتصادي في المعهد جوناثان كريب (Jonathan Cribb) أن حجم الأثر يوحي بأن عوامل أخرى غير الحوافز المالية البحتة كانت فاعلة: فسن التقاعد تعمل بمثابة عرف اجتماعي، وإشارة إلى الموعد المتوقع للتوقف عن العمل [25]. وأثر الإشارة هذا تحديدا هو ما يمنح إصلاح سن التقاعد قوته، وهو ما يجعله في الوقت ذاته أداة فظة.
وجدت أبحاث معهد الدراسات المالية أن رفع سن المعاش الحكومي للنساء من 60 إلى 61 عاما أدخل نحو 27,000 امرأة إضافية إلى سوق العمل، ورفع توظيف أزواجهن بمقدار 4.2 نقطة مئوية، وحسن المالية العامة بنحو 2.1 مليار جنيه إسترليني [25]. وجاءت الاستجابة أكبر مما تتنبأ به الحوافز المالية وحدها، مما يشير إلى أن سن التقاعد تعمل عرفا اجتماعيا يحدد موعد انتهاء العمل.
أكثر العقبات رسوخا أمام العمل لسنوات أطول هو الاعتقاد بأن العمال الأكبر سنا أقل إنتاجية. ولا تدعم أفضل الأدلة على المستوى الجزئي هذا الاعتقاد. فقد درس أكسل بورش سوبان (Axel Börsch-Supan) وماتياس فايس (Matthias Weiss) الأخطاء التي ترتكبها فرق العمل على خط تجميع لدى شركة كبرى لصناعة السيارات، مع تصحيح أثر ميل العمال الأقل إنتاجية إلى المغادرة، وتبين لهما أن الإنتاجية في هذا المصنع، النموذجي في الصناعة واسعة النطاق، لا تتراجع حتى سن الستين على الأقل [26] ◈ أدلة قوية. صحيح أن العمال الأكبر سنا ارتكبوا أخطاء أكثر بقليل، لكن أخطاءهم الجسيمة كانت أقل بكثير، لأن الخبرة علمتهم أي الأخطاء هي المهمة. فعلى خط الإنتاج عوض حسن التقدير المتراكم أي تباطؤ في السرعة البدنية. وأصبحت هذه النتيجة من أكثر النتائج استشهادا في اقتصاديات الشيخوخة، تحديدا لأنها تناقض ما يتوقعه المديرون.
أما على مستوى الاقتصادات بأكملها، فالصورة أكثر تباينا ⚖ محل خلاف. فقد قدرت نيكول مايستاس (Nicole Maestas) وكاثلين مولن (Kathleen Mullen) وديفيد باول (David Powell) أن زيادة حصة السكان في سن 60 فما فوق بنسبة 10% تخفض نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.5%، ويأتي نحو ثلثي هذا الأثر من تباطؤ نمو إنتاجية العمل لا من تراجع عدد العمال [27]. ولا تثبت هذه النتيجة أن العمال الأكبر سنا أقل إنتاجية بصفتهم أفرادا، فقد تعكس بطئا في تبني التقنيات الجديدة، أو تراجعا في الاستثمار، أو تحولا في أنماط الطلب في المناطق التي تشيخ. لكنها تحذير من افتراض أن الحياة المهنية الأطول هي بالضرورة حياة أكثر إنتاجية. والتوفيق بين الدراستين، بما ينسجم مع كلتيهما، هو أن العمال الأكبر سنا يظلون منتجين في الوظائف التي توظف خبرتهم، وأن الاقتصادات التي تقصر في الاستثمار في مهاراتهم وصحتهم تفوت على نفسها جزءا كبيرا من المكسب.
لا تنبع أقوى آثار إصلاح سن التقاعد من تغير الحوافز المالية، بل من تغير التوقعات لدى العمال وأزواجهم وأصحاب العمل على حد سواء [25]. ولهذا تحرك الإصلاحات التوظيف بسرعة، وتحركه أكثر ما تحركه لدى من تسمح لهم صحتهم ووظائفهم أصلا بالاستجابة. فالإشارة لا تستطيع أن تجعل العامل العليل سليما، ولا صاحب العمل العازف راغبا.
جدار التمييز
لماذا لا تريد سوق العمل العمال الذين يحتاج إليهم نظام التقاعد
في تجربة ميدانية شملت أكثر من 40,000 طلب توظيف، وجد اقتصاديون أدلة متينة على التمييز في التوظيف ضد النساء الأكبر سنا، ولا سيما القريبات من سن التقاعد [28]. تطلب الحكومات من الناس العمل لسنوات أطول في أسواق عمل تستبعدهم بصورة منهجية ✓ حقيقة مثبتة.
تأتي أقوى الأدلة على التمييز العمري من التجارب الميدانية، التي يرسل فيها الباحثون إلى أصحاب العمل طلبات توظيف وهمية متطابقة لا تختلف إلا في العمر. وأكبر هذه التجارب أجراها ديفيد نيومارك (David Neumark) وإيان بيرن (Ian Burn) وباتريك باتن (Patrick Button)، وقدموا فيها أكثر من 40,000 طلب لوظائف في 12 مدينة أمريكية وأربع مهن [28] ✓ حقيقة مثبتة. وبعد تصحيح التحيزات التي شابت دراسات سابقة، وجدوا تمييزا متينا ضد النساء الأكبر سنا، ولا سيما القريبات من سن التقاعد، وأدلة أضعف لكنها قائمة ضد الرجال الأكبر سنا [28]. ولخص نيومارك النمط بصراحة عام 2019: لا يحقق المتقدمون الأكبر سنا نتائج أفضل أبدا، وكثيرا ما تكون نتائجهم أسوأ، فيما تواجه النساء التمييز العمري بدءا من الأربعينيات [29]. ووجدت تجربة سويدية أجراها ماغنوس كارلسون (Magnus Carlsson) وستيفان إريكسون (Stefan Eriksson)، باستخدام أكثر من 6,000 طلب لمتقدمين تتراوح أعمارهم بين 35 و70 عاما، أن معدلات الرد تتراجع تراجعا ملموسا ابتداء من سن الأربعين تقريبا، وبوتيرة أشد لدى النساء منها لدى الرجال [30] ✓ حقيقة مثبتة.
أدلة التمييز العمري ضد النساء تبرز تقريبا في كل دراسة.
— ديفيد نيومارك، أستاذ الاقتصاد المتميز في جامعة كاليفورنيا في إرفاين، يونيو 2019 [29]وتساعد قناعات أصحاب العمل المعلنة في تفسير هذه النتائج. ففي التجربة السويدية، استشهد أصحاب العمل الذين استطلعت آراؤهم لاحقا بصور نمطية عن قدرة المتقدمين الأكبر سنا على تعلم مهام جديدة، وعن قدرتهم على التكيف وطموحهم [30]. ويتعرف العمال إلى النمط ذاته من الجهة المقابلة. فقد وجد استطلاع أجرته الجمعية الأمريكية للمتقاعدين (AARP) عام 2026 أن 64% من العمال الأمريكيين في سن 50 فما فوق شهدوا تمييزا عمريا في العمل أو تعرضوا له، وترتفع النسبة إلى 74% بين العمال السود و67% بين النساء [31] ✓ حقيقة مثبتة. ويعتقد نحو 90% أن التمييز العمري شائع، ويفيد 33% بأنه افترض فيهم أنهم أقل ارتياحا للتكنولوجيا [32]. ومن بين من هم في سن 50 فما فوق ممن كانوا يعتزمون تغيير وظائفهم عام 2025، اعتقد 74% أن أعمارهم قد تحول دون توظيفهم [33].
ولا تمثل الشكاوى الرسمية سوى الجزء الظاهر من المشكلة. فقد تلقت لجنة تكافؤ فرص العمل الأمريكية (EEOC) في السنة المالية 2024 ما مجموعه 16,223 شكوى تمييز عمري بموجب قانون Age Discrimination in Employment Act، بزيادة 9.2% على العام السابق، وفق تحليل أجرته شركة المحاماة Seyfarth، في حين لم ترفع اللجنة نفسها سوى سبع دعاوى قضائية تتعلق بالتمييز العمري [34] ◈ أدلة قوية. ومن المعروف أن إثبات التمييز العمري عسير، لأنه نادرا ما يترك أثرا مكتوبا: يوصف مرشح بأنه مؤهل أكثر من اللازم، ويقال إن فريقا يحتاج إلى طاقة متجددة، وتأتي إعادة هيكلة فتطيح بالصدفة بأكبر الموظفين سنا. وقد وصفت كارلي روشكوفسكي (Carly Roszkowski) من الجمعية الأمريكية للمتقاعدين النتيجة في يناير 2025 بقولها إن كثيرا من العمال الأكبر سنا يواجهون التمييز العمري ويتجاوزهم أصحاب العمل في وظائف مؤهلين لها، رغم ما يحملونه من خبرة ونضج وبعد نظر [33].
ترفع الحكومات سن التقاعد على افتراض أن كبار السن قادرون على إيجاد عمل، في حين تظهر التجارب الميدانية أن أصحاب العمل يستبعدونهم بدءا من الأربعينيات [28] [30]. وحين يصطدم الأمران لا تكون النتيجة حياة مهنية أطول، بل فجوات أطول بين آخر وظيفة وأول دفعة من المعاش، فجوات تمول من المدخرات أو إعانات العجز أو تنتهي إلى الفقر.
ولا تقتصر الكلفة على الأفراد. فقد وجد التقرير العالمي عن التمييز على أساس السن الصادر عن منظمة الصحة العالمية (WHO) في مارس 2021، بالاشتراك مع ثلاث هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة، أن شخصا من كل اثنين في العالم يحمل مواقف تمييزية تجاه كبار السن [35] ✓ حقيقة مثبتة. وقدر التقرير أن التمييز على أساس السن كان مسؤولا عن إنفاق صحي زائد قدره 63 مليار دولار أمريكي في الولايات المتحدة خلال عام واحد، وأن توظيف 5% إضافية من الأستراليين في سن 55 فما فوق سيعود على الاقتصاد بنحو 48 مليار دولار أسترالي سنويا [35] ◈ أدلة قوية. وحذر المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس (Tedros Adhanom Ghebreyesus) من أن الدول لا يمكنها أن تسمح للصور النمطية والأحكام المسبقة والتمييز على أساس السن بأن تحد من فرص ضمان الصحة والرفاه والكرامة للناس في كل مكان [35].
وللتمييز أيضا شكل مؤسسي نادرا ما يسمى باسمه: الخصم العمري المدمج في الأجور. ففي اليابان، حيث تلزم الشركات قانونا بعرض استمرار التوظيف حتى سن 65 وببذل الجهد لتحقيق ذلك حتى سن 70، كثيرا ما تقترن إعادة التوظيف بعد سن التقاعد المعتمدة في الشركة بخفض حاد في الأجر. ولا تحافظ سوى 39.6% من الشركات اليابانية على أجر ما بعد التقاعد فوق 80% من مستواه السابق، ما يعني أن نحو 60% منها تخفضه بأكثر من الخمس مقابل العمل نفسه أو عمل مشابه [36] ✓ حقيقة مثبتة. وتحدث سن التقاعد الإلزامية في كوريا الجنوبية، وهي 60 عاما، هاوية مماثلة [37]. تبقي هذه الأنظمة كبار السن في العمل، لكن بشروط كانت ستعد تمييزية لو طبقت على أي فئة أخرى. إنها الثمن الذي قبل به أصحاب العمل الالتزام بإبقائهم.
قيد الصحة والمهارات
من يستطيع فعلا العمل حتى السابعة والستين، ومن لا يستطيع
في إنجلترا، لا يتوقع الرجال في أشد المناطق حرمانا سوى 51.1 عاما من الحياة الصحية، مقابل 70.1 عاما في أقلها حرمانا [38]. وسن تقاعد واحدة تطبق على الفئتين ليست محايدة، بل هي تحويل للموارد من فئة إلى أخرى ✓ حقيقة مثبتة.
تقوم الحجة لصالح العمل لسنوات أطول على افتراض أن الأعمار الأطول هي أيضا أعمار أوفر صحة. وهذا صحيح إجمالا في المتوسط، لكن المتوسط يخفي فجوات واسعة جدا. فقد أفاد تقرير منظمة الصحة العالمية «الإحصاءات الصحية العالمية 2024» (World Health Statistics 2024) بأن متوسط العمر المتوقع عالميا بلغ 71.4 عاما في 2021، وأن العمر الصحي المتوقع بلغ 61.9 عاما، أي أن الناس يعيشون في المتوسط نحو 9.5 سنوات في صحة متردية [39] ✓ حقيقة مثبتة. والتفاوت داخل الدول أوسع منه بينها. فقد وجد مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني أن العمر الصحي المتوقع للرجال في أقل المناطق حرمانا في إنجلترا بلغ 70.1 عاما في الفترة 2020-22، مقابل 51.1 عاما في أشدها حرمانا، أي بفارق 19.0 عاما، فيما بلغ الفارق لدى النساء 19.7 عاما [38] ✓ حقيقة مثبتة. ومن ثم يمكن للرجال في أفقر مناطق إنجلترا أن يتوقعوا فقدان صحتهم الجيدة قبل بلوغ سن المعاش الحكومي بأكثر من 15 عاما.
والفجوة في طول العمر بحسب الدخل لا تقل حدة في الولايات المتحدة. فقد وجد راج شيتي (Raj Chetty) وزملاؤه، استنادا إلى سجلات الضرائب والوفيات، أن أغنى 1% من الرجال الأمريكيين يعيشون أطول من أفقر 1% بنحو 14.6 عاما، وأغنى النساء أطول بنحو 10.1 أعوام [40] ✓ حقيقة مثبتة. والفجوة آخذة في الاتساع: فبين 2001 و2014 ارتفع العمر المتوقع بمقدار 2.34 عام للرجال في الشريحة العليا البالغة 5% من توزيع الدخل، لكنه لم يرتفع سوى 0.32 عام للرجال في الشريحة الدنيا البالغة 5% [40]. وفي 23 دولة من دول المنظمة، يتوقع أن يعيش الرجال ذوو التعليم العالي في سن 65 أطول من ذوي التعليم المتدني بنحو 3.6 أعوام، والنساء أطول بنحو 2.6 عام [41] ✓ حقيقة مثبتة. ولما كان رفع سن التقاعد يبرر بمكاسب طول العمر في المتوسط، وكانت هذه المكاسب تذهب أساسا إلى الميسورين، فإن الزيادة الموحدة تطلب من أقل الناس استفادة أن يتخلوا عن أكثر مما يتخلى عنه غيرهم.
وتتفاقم القيود الصحية بفعل الطابع البدني لكثير من الوظائف. فالمحامي في السادسة والستين وعامل الرعاية في السن ذاتها يواجهان سن التقاعد نفسها، لكنهما لا يملكان الجسد نفسه في نهاية أسبوع العمل. وقد خصص تقرير المنظمة «آفاق التوظيف 2025» (Employment Outlook 2025) فصلا كاملا لمهارات العمال الأكبر سنا ووظائفهم في سوق عمل متغيرة، في انعكاس لإدراك متزايد بأن القيد كثيرا ما يكمن في الوظيفة لا في العامل [42]. وفي المملكة المتحدة، كان 55% ممن هم خارج النشاط الاقتصادي بسبب أمراض مزمنة في منتصف 2022، أي نحو 1.3 مليون شخص، في سن 50 إلى 64 عاما [22] ✓ حقيقة مثبتة. وبالنسبة إلى هذه الفئة، لا يعني تأخير سن التقاعد مزيدا من العمل، بل اعتمادا أطول على إعانات المرض والعجز، أو على المدخرات، إلى أن يحين موعد المعاش.
وجد شيتي وزملاؤه، استنادا إلى سجلات الضرائب والوفيات، أن مكاسب طول العمر تركزت في قمة توزيع الدخل [40]. ولما كانت أعمار التقاعد تحدد في ضوء متوسط العمر المتوقع، فإن ربطها بالمتوسطات دون مراعاة هذا التدرج يحول التكيف الديموغرافي إلى تحويل تنازلي للموارد يثقل كاهل الفقراء. ويظهر التدرج ذاته بحسب مستوى التعليم في 23 دولة من دول المنظمة [41].
المهارات هي القيد الثاني، والبيانات المتعلقة بها أحدث عهدا. فقد وجد مسح مهارات البالغين 2023 الصادر عن المنظمة (Survey of Adult Skills 2023)، المنشور في ديسمبر 2024، أن متوسط درجات البالغين في الدول المشاركة بلغ 260 في القرائية، و263 في الحساب، و251 في حل المشكلات التكيفي [43]. وسجل من هم في سن 55 إلى 65 درجات أدنى من الفئة بين 25 و34 عاما في كل المجالات، بفارق 30 نقطة في القرائية في متوسط المنظمة، و55 نقطة في كوريا الجنوبية، و26 في إنجلترا، و17 في الولايات المتحدة [44] ✓ حقيقة مثبتة. وتنبه المنظمة إلى أن هذه الفجوات قد تعكس آثار التقدم في السن، لكنها قد تعكس أيضا اختلافات في جودة التعليم والتدريب وكميتهما بين الأجيال [44]. والفجوة الواسعة على نحو استثنائي في كوريا الجنوبية تنسجم مع هذه القراءة، إذ تلقت أجيالها الأكبر سنا تعليمها قبل التوسع الكبير الذي شهده التعليم في البلاد.
ثم تأتي منظومة التدريب لتوسع الفجوة التي يفترض بها أن تسدها. فلم يشارك في التدريب عام 2023 سوى نحو 33% ممن هم في سن 60 إلى 65، مقابل أكثر من 50% ممن هم في سن 25 إلى 44، وتراجعت نسبة من يتعلمون أثناء العمل من 62% في سن 25 إلى 29 إلى 45% في سن 60 إلى 65 [42] ◈ أدلة قوية. وكانت بيانات سابقة للمنظمة قد قدرت المشاركة في التدريب المرتبط بالعمل بنحو 24% لمن هم في سن 55 إلى 65، مقابل 41% لمن هم في سن 45 إلى 54 [45] ✓ حقيقة مثبتة. ويستثمر أصحاب العمل أقل في الموظفين الأكبر سنا لأنهم يتوقعون عائدا أقصر أمدا، ويستثمر هؤلاء الموظفون أقل في أنفسهم للسبب ذاته. غير أن العامل في الخامسة والخمسين الذي يواجه سن تقاعد عند 67 أو 70 عاما أمامه ما بين 12 و15 عاما من الحياة المهنية، وهي مدة تفوق متوسط بقاء الموظف الأصغر سنا في وظيفته. ففجوة التدريب من مخلفات زمن كانت فيه سن الخامسة والخمسين بداية النهاية.
ويضيف الذكاء الاصطناعي متغيرا جديدا غامض الأثر. إذ تجد المنظمة أن التعرض للأتمتة يبلغ أقصاه لدى العمال الأصغر سنا ويتراجع سريعا مع التقدم في العمر، في حين يتخذ التعرض للذكاء الاصطناعي بمعناه الأوسع شكل حرف U مقلوب على امتداد مسار الحياة، كما تجد أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي نما بأسرع وتيرة لدى من هم في سن 55 إلى 74 في الفترة 2024-25، وإن انطلق من قاعدة منخفضة [46] ◈ أدلة قوية. وقدر استطلاع نشره مجلس أبحاث المعاشات في كلية وارتون نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بين العمال في سن 50 إلى 64 بنحو 18%، وهي نسبة أدنى بكثير منها لدى العمال في الثلاثينيات والأربعينيات [47]. وفي يناير 2025، أعرب نحو 34% من الباحثين عن عمل في الولايات المتحدة ممن هم في سن 50 فما فوق عن قلقهم من أن يهدد الذكاء الاصطناعي أمنهم الوظيفي [33]. وقد يطيل الذكاء الاصطناعي الحياة المهنية إذا تولى الأجزاء المرهقة بدنيا وذهنيا من الوظائف، أو يقصرها إذا حط من قيمة الخبرة. وأي الاحتمالين سيتحقق يتوقف إلى حد بعيد على ما إذا كان العمال الأكبر سنا سيدربون على استخدامه.
ما تتعلمه أكبر القوى العاملة سنا
اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والدنمارك وألمانيا والصين وفرنسا
جربت الدول التي سبقت غيرها إلى الشيخوخة كل سياسة متاحة تقريبا: إعادة التوظيف الإلزامية، والدخل المعفى من الضرائب، والربط التلقائي بمتوسط العمر المتوقع، والتجميد الصريح. ونتائجها هي أفضل ما يتوافر من أدلة على ما ينجح ◈ أدلة قوية.
يقوم النهج الياباني على تحميل الالتزام لأصحاب العمل لا لأنظمة المعاشات. إذ يتعين على الشركات أن تعرض التوظيف حتى سن 65، ومنذ تعديل أجري عام 2021 بات عليها أن تبذل الجهد لتأمين فرص العمل حتى سن 70 [48]. وارتفعت نسبة الشركات التي اتخذت تدابير لتأمين العمل حتى السبعين من 25.6% عام 2021 إلى 34.8% عام 2024 [48] [36] ✓ حقيقة مثبتة، وتحركت الشركات الصغيرة والمتوسطة أسرع من الكبيرة، بنسبة 32.4% مقابل 25.5% في بيانات 2025 [48]. وينجح النموذج من حيث أعداد العاملين، إذ تسجل اليابان أعلى معدلات توظيف لمن هم في أواخر الستينيات بين الاقتصادات الكبرى كافة [3]. أما نقطة ضعفه فهي جودة الوظائف، فإعادة التوظيف تأتي عادة بعقود محددة المدة وأجور أدنى بكثير، مما يبقي الناس في العمل، لكن كثيرا ما يكون ذلك في أدوار دون مستوى مهاراتهم [36].
وتكشف كوريا الجنوبية ما يحدث حين تتباعد سن التقاعد الإلزامية عن سن استحقاق المعاش. فسن التقاعد القانونية في كوريا 60 عاما، في حين ترتفع سن الاستحقاق في نظام المعاش الوطني إلى 65 عاما بحلول 2033، مما يترك فجوة تصل إلى خمس سنوات بلا راتب ولا معاش [37] ✓ حقيقة مثبتة. ويعيش نحو 40% من الكوريين في سن 65 فما فوق تحت خط الفقر النسبي، وهو أعلى معدل في دول المنظمة ويتجاوز بكثير متوسطها البالغ نحو 14.8% [49] ◈ أدلة قوية. وقد أوصت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في مارس 2025 برفع سن التقاعد إلى 65 عاما، وفي يونيو 2026 اقترحت لجنة تابعة للحزب الديمقراطي الحاكم رفعها عاما واحدا كل عامين اعتبارا من 2028، لتبلغ 65 عام 2036 [50]. ويحظى الأمر بتأييد شعبي واسع، إذ يؤيد 88.3% رفعا تدريجيا [51].
ويكشف النقاش الكوري أيضا من يتحمل الكلفة. فقد وصف ريو غي سوب (Ryu Gi-seop) من الاتحاد الكوري لنقابات العمال هوة الدخل بين التقاعد وبدء صرف المعاش بأنها مشكلة بنيوية مرتبطة مباشرة بمعدل فقر المسنين في البلاد، وهو الأعلى في دول المنظمة [37]. أما أصحاب العمل، ممثلين في لي سانغ تشول (Lee Sang-cheol) من اتحاد أصحاب العمل الكوري، فيرون أن التمديد الموحد سيركز المنافع في الشركات الكبرى والعمال المنتسبين إلى النقابات بعقود دائمة، مما يعمق عدم المساواة في سوق العمل [37] ⚖ محل خلاف. ومن الجهة المقابلة، وصف الاتحاد الكوري للنقابات العمالية الخطة التدريجية بأنها ترقى إلى التخلي عن مئات الآلاف من العمال وتركهم في فجوة الدخل [50]. وكلا الطرفين محق في جانب من المشكلة: فرفع سن التقاعد يحمي المستقرين في وظائف آمنة، فيما يستفيد أصحاب الأعمال الهشة، وهم الأحوج إلى الدخل، بأقل قدر. وسيختبر الموعد النهائي المحدد بنهاية 2026 لاتخاذ قرار في كوريا الجنوبية ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى تسوية تعالج الأمرين معا [37].
وتقدم سنغافورة النموذج الأكثر إحكاما في ترتيب مراحله. فبموجب قانون Retirement and Re-employment Act، ارتفعت سن التقاعد من 63 إلى 64 عاما وسن إعادة التوظيف من 68 إلى 69 عاما في 1 يوليو 2026، في مسار يصل إلى 65 و70 بحلول 2030 [52] ✓ حقيقة مثبتة. ويلزم أصحاب العمل بعرض إعادة التوظيف على العمال المؤهلين حتى سن إعادة التوظيف، مما يمنح الموظفين الأكبر سنا توقعا قانونيا باستمرار العمل دون تجميد عقودهم القديمة. وسلكت الدنمارك الطريق المعاكس، فشرعت النتيجة لا الالتزام: ففي مايو 2025 صوت برلمانها بأغلبية 81 صوتا مقابل 21 على رفع سن التقاعد إلى 70 عاما بحلول 2040 لمن ولدوا بعد 1970، مرورا بسن 68 عام 2030 و69 عام 2035 [53] ✓ حقيقة مثبتة. وتربط الدنمارك سن التقاعد بمتوسط العمر المتوقع منذ إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية عام 2006 [53]. ومع ذلك، كانت رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن (Mette Frederiksen) قد شككت في هذه الآلية التلقائية عام 2024، قائلة إنه لا يمكن الاستمرار في مطالبة الناس بالعمل عاما إضافيا في كل مرة [54].
واختارت ألمانيا الحوافز بدلا من الإلزام. فنظامها المعروف باسم Aktivrente، الساري منذ 1 يناير 2026، يعفي من ضريبة الدخل ما يصل إلى 2,000 يورو شهريا من دخل العمل لمن يواصلون العمل بعد سن التقاعد القانونية [61] ✓ حقيقة مثبتة. ويستثني النظام العاملين لحسابهم الخاص وموظفي الخدمة المدنية وأصحاب الوظائف المصغرة [62]. وقدمه وزير المالية لارس كلينغبايل (Lars Klingbeil) بوصفه مكافأة، قائلا إن كل من يختار العمل لفترة أطول ينبغي أن يلمس مكسبا حقيقيا في جيبه [61]. غير أن المستفيدين المرجحين منه هم القادرون والراغبون أصلا في العمل بعد سن 67، وهم في الغالب موظفون أوفر صحة وأعلى أجرا، مما يثير تساؤلات حول الكلفة المهدرة التي لن يجيب عنها سوى التقييم. أما السويد فقد أدمجت التكيف في النظام نفسه: إذ حددت سن التقاعد المستهدفة، المعروفة باسم riktålder، عند 67 عاما للفترة من 2026 إلى 2031، مع إمكانية السحب المبكر ابتداء من 64، وتتحرك هذه السن مع متوسط العمر المتوقع [63] ✓ حقيقة مثبتة.
وتكشف الصين وفرنسا الحدود السياسية للإصلاح. فالإصلاح الصيني، الذي أقرته اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب في سبتمبر 2024، يرفع سن التقاعد للرجال من 60 إلى 63 عاما، وللنساء من 50 إلى 55 أو من 55 إلى 58، على مدى 15 عاما اعتبارا من يناير 2025، مع رفع الحد الأدنى لفترة الاشتراك من 15 إلى 20 عاما بحلول 2039 [8] ✓ حقيقة مثبتة. وجاء الإصلاح جزئيا بدافع توقعات صادرة عن الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية تفيد بأن صندوق معاشات المدن قد ينفد بحلول 2035 [64] ◈ أدلة قوية. أما فرنسا فرفعت الحد الأدنى لسن التقاعد من 62 إلى 64 عاما في 2023 رغم الاحتجاجات الحاشدة [60]، ثم علقت الإصلاح أواخر 2025 في عهد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو (Sébastien Lecornu)، فجمدت السن القانونية عند 62 عاما و9 أشهر حتى يناير 2028 [65] [66] ✓ حقيقة مثبتة. وتعهد لوكورنو بألا يطرأ أي رفع على السن من الآن وحتى يناير 2028 [65]. والدرس هنا ليس أن الإصلاح مستحيل، بل أنه قابل للتراجع عنه حين يفتقر إلى التوافق.
- إلزام أصحاب العمل (اليابان وسنغافورة): يتعين على الشركات عرض استمرار العمل حتى سن محددة، مع توظيف مرتفع وأجور وجودة وظائف أدنى [36] [52]
- الربط التلقائي بمتوسط العمر المتوقع (الدنمارك والسويد): نهج قابل للتنبؤ، لكنه موضع خلاف سياسي كلما اقتربت السن من 70 [53] [63]
- الحوافز الضريبية (ألمانيا): تكافئ القادرين أصلا على العمل، مع خطر الكلفة المهدرة [61]
- الزيادات التشريعية المتدرجة (الصين والمملكة المتحدة والولايات المتحدة): وفورات مالية كبيرة وآثار متفاوتة في التوظيف [8] [11]
- التعليق أو التراجع (فرنسا): يكشف كلفة الإصلاح الذي يفتقر إلى التوافق [65]
حققت الدول صاحبة أعلى معدلات التوظيف في المراحل المتأخرة من الحياة المهنية، وفي مقدمتها اليابان، ذلك بإلزام أصحاب العمل بالإبقاء على الموظفين الأكبر سنا مع السماح بخفض حاد في الأجور عند إعادة التوظيف [36]. وهذه المقايضة ترفع أعداد العاملين، لكنها ترسخ خصما عمريا مؤسسيا. ويمثل نموذج إعادة التوظيف في سنغافورة والحافز الضريبي في ألمانيا محاولتين للاحتفاظ بالأولى دون الثانية، ولم تخضع أي منهما للتقييم بعد.
المسائل الخلافية
المزاحمة والإنصاف والإنتاجية وذهن المتقاعد
أربعة خلافات ترسم سياسة العمل لسنوات أطول: هل يأخذ العمال الأكبر سنا وظائف الشباب، وهل رفع سن التقاعد تنازلي يثقل كاهل الفقراء، وهل القوى العاملة التي تشيخ أقل إنتاجية، وهل يحمي العمل الدماغ مع التقدم في السن ⚖ محل خلاف.
أقدم الاعتراضات أن العمال الأكبر سنا يشغلون وظائف كانت ستذهب لولاهم إلى الشباب. ويسمي الاقتصاديون ذلك مغالطة الكتلة الثابتة من العمل، ومعظم الأدلة تؤيد هذه التسمية. فقد خلص مشروع متعدد الدول أجراه المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأمريكي (NBER) بقيادة غروبر وكيفن ميليغان (Kevin Milligan) ووايز، وشمل 12 دولة، إلى عدم وجود أي دليل على أن زيادة توظيف كبار السن تقلص فرص العمل المتاحة للشباب [67] [68] ◈ أدلة قوية. وفي بيانات الولايات الأمريكية للفترة من 1977 إلى 2011، وجدت أليشيا مونيل (Alicia Munnell) وأبريل يانيوان وو (April Yanyuan Wu) في كلية بوسطن أن ارتفاع توظيف العمال الأكبر سنا اقترن بانخفاض بطالة الشباب وارتفاع توظيفهم، وخلصتا إلى أن النظرية قد تبدو معقولة لكن البيانات لا تدعمها [69]. فمع مرور الوقت تتكيف الاقتصادات: إذ ينفق كبار السن العاملون ويدخرون ويخلقون طلبا على عمال آخرين.
لكن المدى القصير قد يبدو مختلفا ⚖ محل خلاف. ففي دراسة لإصلاح فورنيرو الإيطالي عام 2011، الذي رفع أعمار التقاعد فجأة، وجد تيتو بويري (Tito Boeri) وبييترو غاريبالدي (Pietro Garibaldi) وإسبن موين (Espen Moen) أن الشركات قلصت توظيف الشباب بما يعادل وظيفة واحدة بدوام كامل تقريبا مقابل كل خمسة عمال أكبر سنا أبقوا في وظائفهم عاما إضافيا [70]. وتركز الأثر في الشركات التي تعاني قيودا مالية، حيث كان ثبات فاتورة الأجور يعني أن راتبا إضافيا لموظف قديم يزيح توظيف موظف مبتدئ. ويمكن التوفيق بين مجموعتي الأدلة: ففي اقتصاد ينمو بتوظيف مرن، يكمل العمال الأكبر سنا العمال الأصغر، أما في اقتصاد راكد بكشوف رواتب جامدة، فقد تسد الإصلاحات المفاجئة الطريق أمام دخول الشباب. فالتوقيت والظروف الاقتصادية لا يقلان أهمية عن الإصلاح ذاته.
ومسألة الإنصاف أقل خلافية في الوقائع منها في العلاج ⚖ محل خلاف. فلا أحد يجادل في أن متوسط العمر المتوقع يتفاوت تفاوتا حادا بحسب الدخل والتعليم [40] [41] [38]. والخلاف هو حول ما إذا كان ذلك يجعل رفع سن التقاعد غير مقبول، أم يستلزم فحسب تدابير تعويضية، كتيسير الحصول على إعانات العجز، أو التقاعد المبكر لأصحاب المسيرات المهنية الطويلة أو الوظائف الشاقة، أو معاشات أسخى لأصحاب الدخل الأدنى. ويكشف النقاش الدنماركي نفسه هذا التوتر: فحتى حكومة شرعت التقاعد في السبعين شككت في الآلية التلقائية التي يستند إليها [54]. ويلاحظ صندوق النقد الدولي أن الفجوات الاجتماعية والاقتصادية في الصحة بحسب التعليم والثروة والإقامة الريفية استمرت حتى مع تحسن متوسط الصحة [12] ✓ حقيقة مثبتة.
ويدور الخلاف حول الإنتاجية على مستوى التحليل ⚖ محل خلاف. فالدراسات التي تتناول عمالا أفرادا في بيئات محددة، وأشهرها دراسة خط التجميع لبورش سوبان، لا تجد تراجعا حتى سن الستين [26]، في حين تجد الدراسات التي تتناول اقتصادات إقليمية بأكملها أن المجتمعات التي تشيخ تنمو أبطأ، وذلك أساسا عبر الإنتاجية [27]. والخلاف حول القدرات الإدراكية مماثل. فقد وجدت سوزان روفيدر (Susann Rohwedder) وروبرت ويليس (Robert Willis)، بمقارنة دول ذات أعمار تقاعد مختلفة، أن للتقاعد أثرا سلبيا كبيرا في القدرة الإدراكية لدى من هم في مطلع الستينيات، مما يوحي بأن التقاعد قد يفضي إلى بيئة يومية أقل تحفيزا [71]. لكن نورما كو (Norma Coe) وزملاءها، مستخدمين عروض التقاعد المبكر غير المتوقعة تجربة طبيعية، لم يجدوا أثرا سببيا سلبيا لدى العاملين في الوظائف المكتبية، بل وجدوا أثرا إيجابيا لدى العاملين في الوظائف اليدوية [72]. وقد يتوقف ما إذا كان العمل يحمي الذهن على طبيعة العمل نفسه.
الحجة لصالح العمل لسنوات أطول
مع بلوغ عدد من تجاوزوا 65 عاما 52 شخصا لكل 100 في سن العمل بحلول 2050، لا يمكن تمويل أنظمة التقاعد دون حياة مهنية أطول [1] [11].
تمتع ابن السبعين عام 2022 بالقدرة الإدراكية لابن الثالثة والخمسين عام 2000 في 41 اقتصادا [12].
لم تجد الأدلة المستمدة من 12 دولة أي تراجع في توظيف الشباب حين يرتفع توظيف كبار السن [67].
لا تتراجع إنتاجية الفرق على خط تجميع السيارات حتى سن الستين على الأقل [26].
رفع سن التقاعد للنساء في المملكة المتحدة عاما واحدا زاد توظيف النساء في سن الستين بمقدار 7.3 نقطة [25].
الحجة لصالح الحذر
يعيش أغنى 1% من الرجال الأمريكيين أطول من أفقر 1% بنحو 14.6 عاما، لذا تصيب الزيادات الموحدة الفقراء بأشد الضرر [40].
يبلغ العمر الصحي المتوقع للرجال في أفقر مناطق إنجلترا نحو 51 عاما، أي أدنى بكثير من سن التقاعد [38].
خفض الإصلاح المفاجئ في إيطاليا توظيف الشباب بنحو وظيفة واحدة مقابل كل خمسة عمال أكبر سنا أبقوا في العمل [70].
ارتفاع حصة من تجاوزوا الستين بنسبة 10% يخفض نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.5% [27].
كثيرا ما تقدم الأتمتة والهجرة بوصفهما بديلين عن العمل لسنوات أطول ⚖ محل خلاف. وقد وجد دارون عاصم أوغلو (Daron Acemoglu) وباسكوال ريستريبو (Pascual Restrepo) أن المجتمعات التي تشيخ تتبنى الروبوتات الصناعية بوتيرة أسرع، لكن هذه الروبوتات تحل عادة محل العمال في منتصف العمر، بين 36 و55 عاما، لا محل الأكبر سنا [73]. ومن ثم فإن الأتمتة تعوض النقص في العمال في ذروة سن العمل، لا أنها تلغي الحاجة إلى أن يعمل الناس لسنوات أطول. ويمكن للهجرة أن تعوض جزءا من تراجع السكان في سن العمل، لكن في دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، حيث يتوقع أن يتراجع عدد السكان في سن العمل بأكثر من 30% [1]، سيكون الحجم المطلوب غير مسبوق سياسيا واجتماعيا. ولا تكفي أي من الأدوات الثلاث، أي الهجرة والتكنولوجيا والحياة المهنية الأطول، وحدها، ولهذا لا يدور النقاش حول العمل لسنوات أطول حول مبدئه، بل حول كيفيته.
ترجح الأدلة في مجملها خلاصة مشروطة. فالعمل لسنوات أطول ممكن لمعظم من يتمتعون بصحة جيدة ويشغلون وظائف تستثمر المهارات المتراكمة، ولا يكلف الشباب وظائفهم بوجه عام ◈ أدلة قوية. لكنه ليس ممكنا للجميع بالقدر نفسه، ولا ترحب به سوق العمل، وتقع كلفة الإصلاح الموحد على نحو غير متناسب على أصحاب الأعمار الأقصر والأقل صحة. ومن ثم فإن المسائل الخلافية لا تتعلق بما إذا كان ينبغي للناس أن يعملوا لسنوات أطول بقدر ما تتعلق بأي الناس، وفي أي الوظائف، وبأي حماية لمن لا يستطيعون.
ما تقوله الأدلة
من سن التقاعد إلى سياسة للحياة المهنية
حسمت الحجة الديموغرافية لصالح العمل لسنوات أطول، أما الحجة لتحقيق ذلك عبر سن التقاعد وحدها فلم تحسم. والدول التي تنجح في ذلك تجمع بين سن تقاعد متأخرة والتزامات على أصحاب العمل واستثمار في المهارات والصحة وحماية لمن لا يستطيعون المواصلة ◈ أدلة قوية.
تفضي الأدلة التي جمعها هذا التقرير إلى خمس خلاصات. أولاها أن العمل لسنوات أطول ليس سياسة مستقبلية بل واقع قائم: فقد ارتفع التوظيف في دول المنظمة لمن هم بين 60 و64 عاما بأكثر من 20 نقطة مئوية [2]، وتشغل اليابان غالبية من هم في أواخر الستينيات [3] ✓ حقيقة مثبتة. وثانيتها أن له قيمة: إذ يقدر صندوق النقد الدولي أن الشيخوخة الأوفر صحة تضيف نحو 0.4 نقطة مئوية سنويا إلى النمو العالمي [12]، وتحقق إصلاحات سن التقاعد وفورات مالية فورية [11]. وثالثتها أن العائق الرئيسي كثيرا ما لا يكون قدرة العمال بل استعداد أصحاب العمل، كما تظهر التجارب الميدانية على التوظيف [28]. ورابعتها أن القدرة على العمل لسنوات أطول موزعة على نحو غير متساو بحسب الصحة والتعليم والدخل [38] [40]. وخامستها أن الإصلاحات المفروضة دون توافق قابلة للتراجع عنها، كما أثبتت فرنسا عام 2025 [65].
ويمكن تقييم مخاطر مزيج السياسات الحالي في ضوء هذه الأدلة. فسن التقاعد التي ترتفع أسرع من العمر الصحي المتوقع للفئات الأدنى دخلا تهدد بدفع الناس نحو إعانات العجز أو الفقر بدلا من العمل. ويعني التمييز في التوظيف أن الباحثين عن عمل من كبار السن الذين يفقدون وظائفهم في أواخر الخمسينيات قد لا يجدون عملا مماثلا أبدا. ولا تزال منظومات التدريب مصممة لعمال أمامهم مسيرات مهنية طويلة، لا لمن هم في الخامسة والخمسين وأمامهم الآن 15 عاما. كما أن خصم الأجر عند إعادة التوظيف، كما في اليابان، قد يجعل الحياة المهنية الأطول مجدية اقتصاديا لأصحاب العمل لكنها منفرة للعمال [36].
| الخطر | الحدة | التقييم |
|---|---|---|
| العبء التنازلي للزيادات الموحدة في سن التقاعد | مع عمر صحي متوقع أدنى بنحو 19 عاما في أفقر مناطق إنجلترا، تنقل الزيادات الموحدة الكلفة إلى أقل الناس قدرة على العمل [38]. | |
| التمييز في التوظيف ضد العمال الأكبر سنا | أدلة متينة على التمييز ضد النساء الأكبر سنا من تجارب ميدانية شملت أكثر من 40,000 طلب [28]. | |
| فجوات المعاشات وفقر المسنين | تتزامن الفجوة في كوريا الجنوبية بين التقاعد في سن 60 والمعاش في سن 65 مع معدل فقر للمسنين يقارب 40% [49] [37]. | |
| تآكل المهارات وإهمال التدريب | لا يتلقى تدريبا مرتبطا بالعمل سوى 24% ممن هم في سن 55 إلى 65، مقابل 41% ممن هم في سن 45 إلى 54 [45]. | |
| التراجع السياسي عن الإصلاحات | جمدت فرنسا إصلاح 2023 في غضون عامين، مما يبين هشاشة الإصلاحات التي تفتقر إلى التوافق [65] [66]. |
والاستجابة التي تدعمها الأدلة أوسع من مجرد سن للتقاعد. فهي تتعامل مع العقود الأخيرة من الحياة المهنية بوصفها مرحلة ينبغي التخطيط لها، لا امتدادا يفرض فرضا. وهذا يعني إنفاذ قوانين مكافحة التمييز العمري بالجدية ذاتها التي تطبق على سائر الخصائص المحمية، إذ بلغت الشكاوى في الولايات المتحدة 16,223 شكوى في السنة المالية 2024، فيما لم ترفع الهيئة الاتحادية المعنية بالإنفاذ سوى سبع دعاوى [34] ◈ أدلة قوية. ويعني تدريبا في منتصف المسيرة المهنية خلال الخمسينيات، حين يتبقى من الحياة المهنية ما بين 12 و15 عاما، بدلا من إعادة التأهيل بعد التسريح. ويعني تدابير للصحة المهنية وترتيبات عمل مرنة تتيح لأصحاب الوظائف الشاقة بدنيا البقاء منتجين، ومسارات مخصصة للخروج من سوق العمل لمن لا يستطيعون الاستمرار.
ويعني أيضا ربط أعمار التقاعد لا بمتوسط طول العمر، بل بالأدلة على من يستطيع العمل فعلا. فدول عدة تتيح بالفعل التقاعد المبكر لأصحاب المسيرات المهنية الطويلة أو المهن الشاقة، وتشير الأدلة على فجوات طول العمر إلى أن هذه الاستثناءات ليست ثغرات بل تصويبات [41] [40]. ويشكل الدخل المعفى من الضريبة في ألمانيا وسلم إعادة التوظيف في سنغافورة تجربتين مبكرتين في جعل العمل لفترة أطول جذابا لا مجرد أمر إلزامي [61] [52]. وستشكل نتائجهما، إلى جانب المرحلة الانتقالية الطويلة في الصين [8] وانتقال الدنمارك إلى سن السبعين [53]، الجيل التالي من الأدلة.
الدرس المحوري الذي تقدمه أكبر القوى العاملة سنا هو أن سن التقاعد أقل أجزاء السياسة أهمية. فما يحدد ما إذا كان الناس سيعملون فعلا لسنوات أطول هو استعداد أصحاب العمل لتوظيفهم، وسماح صحتهم بذلك، وبقاء مهاراتهم مواكبة للعصر [12] [42]. والحكومات التي تكتفي بتحريك سن التقاعد ستجني الوفورات المالية، لكن جزءا كبيرا من المكسب الاقتصادي سيبقى دون تحصيل، وستقع الكلفة على أقل الناس قدرة على تحملها.
إن مواجهة شيخوخة القوى العاملة هي في نهاية المطاف اختبار لقدرة المجتمعات على أن تقابل البشرى البيولوجية بأعمار أطول وأوفر صحة بمؤسسات تتيح للناس استثمار تلك السنوات على نحو منتج ومنصف. فما توصل إليه صندوق النقد الدولي من أن ابن السبعين اليوم يتمتع بالقدرة الإدراكية لابن الثالثة والخمسين بالأمس [12] بشرى حقيقية. لكنه يصف متوسطا، وسياسة التقاعد يعيشها أفراد. فبالنسبة إلى الأصحاء والمتعلمين وأصحاب الوظائف الجيدة، بات العمل حتى السبعين واقعيا على نحو متزايد، ومرغوبا فيه أحيانا. أما بالنسبة إلى عامل الرعاية والعامل اليدوي والمرأة التي تستبعد من التوظيف في الخامسة والخمسين، فهو وعد لم تقطعه سوق العمل بعد. وسد هذه الفجوة، لا رفع السن، هو المهمة الحقيقية للسياسات في مجتمع يتقلص.